الخطيب اللَّوْذَعِي

24 يوليو 2026 20:36

الخطيب اللَّوْذَعِي

هوية بريس – حميد بن خيبش

تبدو الخطى صوب مسجد الحي متثاقلة، بينما العيون تتبادل نظرات مفادها أن: استعدوا لحصة أخرى من اللوم والتقريع! فخطيب الجمعة الذي لا نشكك أبدا في غيرته على الدين وصدق شكواه من حال الأمة، يفقد أحيانا حس التوازن بين الترغيب والترهيب، فيعمد إلى تحميلنا وزر ما يقع من أزمات وكوارث.

إن من اليقين الذي لا يخامره شك أن يلقى العبد جزاء أفعاله. وقد رد القرآن الكريم على المتسائلين عما جرى في موقعة أحد بقوله: {قل هو من عند أنفسكم}-آل عمران: 165، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه، وأن العطاء الدنيوي لا يسلم من الفتنة، سواء كان مالا أو سلطانا أو أولادا.

لست هنا في معرض دفع التهمة عن الإنسان الظلوم الجهول، أو عن خطوات الشيطان التي تجد لها في كل زمان من يُزينها ويبحث لها عن المشروعية والقبول. لكن المؤمن الذي وُصف بأنه يحلق في سماء ربه بجناحي الرغبة والرهبة، لا يمكن أن نعمد إلى أحد الجناحين فنقصه، ثم نتوقع مه أن يرتفع!

الملاحظ اليوم أن خطيب الجمعة؛ تحت وطأة الانفلات الأخلاقي وأزمة القيم، يصب جام غضبه واحتجاجه ونقده، ويحشد كل أدلة الترهيب وصور العقاب الإلهي في خُطبه، إلى الحد الذي قد يتوهم فيه المستمع أن الصحف طويت ولا مجال للعودة والتصحيح!

يندفع الخطيب عن حسن نية في تغليب جانب الترهيب، فلا ينتبه لما قد يشيعه خطابه من تذمر وإحباط، بل وردود أفعال تصل حد الاستهزاء بأركان العقيدة والمس بالذات الإلهية. وبما أن الخطبة يؤطرها التوجيه النبوي:” من لغا فلا جمعة له”، فإن الشباب الذي تستحثه الرغبة في الفهم والنقاش والتقصي، يجد متنفسه في مواقع التواصل الاجتماعي، وما تتسم به من رحابة تستوعب الحابل والنابل. ولا زلت أذكر خطيبا في بلدة أطلسية، وجه كلاما قاسيا لشباب اعترضوا على مضمون إحدى خطبه في موقع الفايسبوك، ثم نزل من المنبر دون أن يلقي خطبته، تاركا المصلين في حال من الدهشة والحيرة.

كيف للشباب الذي لم يتعرف في هذا الدين إلا على عذاب القبر وصور العقوبة التي تحتدم بها جهنم أن يُقوم فكره وسلوكه، ويؤمن بمجتمع أكثر إنسانية وتعاونا؟

وهل من الاعتدال أن يظل الحديث عن الجنة ونعيمها، ومظاهر رحمة الله بمخلوقاته خارج مدار اهتمام الخطيب، لمجرد أن الواقع الاجتماعي لا يطابق النموذج المنصوص عليه في الكتاب والسنة؟

لا أزعم أن كل الخطباء يُسهمون في تغذية مشاعر اليأس والتذمر، ولست أدعو لبث التطمينات الكاذبة، أو تخدير المشاعر على نحو يفصل المسلم عن واقعه، ويلغي مسؤوليته عن الزيغ الحاصل، لكن قليلا من الأمل يا سادة!

إن مراعاة الضعف الإنساني مبدأ جليل ألمحت إليه العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة. يقول تعالى:{يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} –النساء :28. وفي الحديث الشريف “خير دينكم أيسره” رواه البخاري في المفرد.

وحين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى إلى اليمن أوصاهما بقوله:” يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا” متفق عليه؛ لأن السعي إلى الإصلاح، كما هو معلوم، يتحقق بتغيير الأنفس قبل تغيير الأوضاع، ولا يمكن أن يتحقق التغيير فقط ببث الشحنات السالبة، وإنما بغرس إيمان صحيح، وإضفاء معنى وقيمة على الحياة والوقت والحركة اليومية للإنسان.

من المآخذ التي سجلها الشيخ محمد الغزالي على التعليم الديني: ضعف الاستيعاب لجملة الحقائق التي جاء بها الإسلام، والغلو في تقدير الأجزاء المتبلورة التي تتاح معرفتها للبعض مع القصور في معرفة الأجزاء المكملة الأخرى. بمعنى أن أية ظاهرة مشينة أو انحراف مجتمعي يقتضي أولا فهم السياق الذي نشأ فيه، ثم رصد الجوانب التي يمكن من خلالها لحقائق الإسلام أن تنفذ إليه وتفتت بنيانه.

بهذا الشكل يمنح الخطيب مستمعيه آلية لمواجهة كل صور الانحراف التي تداهم المجتمع وتؤثر على استقراره. أما الاكتفاء بالوعيد، وما ينتظر الفرد من نكال في الدار الآخرة فقد يكون له أثر عكسي كما ذكرت، إما بالانغلاق على الذات وتغذية الميل إلى العزلة عن المجتمع، مثلما هو حاصل للأسف الشديد، أو الإحباط المؤدي إلى التمرد والأنانية وتحطيم الأواصر.

إن أخطر ما يهدد الشباب المسلم اليوم هو حركة الأفكار التي تشل وعيه الصحيح، إما بتأليهه عن طريق التشكيك في جدوى الدين والقيم، أو تبديد طاقاته ومواهبه خارج ما يقتضيه رهان البناء والتدافع الحضاري. وهو خطر لا يمكن مواجهته إلا بخطاب مشرق ومحفز، يكشف عما ينطوي عليه هذا الدين من تكريم للإنسان، واحتفاء بجهده، وتصويب رباني متسامح لأخطائه وزلاته!

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
24°
السبت
25°
أحد
27°
الإثنين
27°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة