ما وراء أرقام مندوبية التخطيط.. الأسرة المغربية من خلية هادئة إلى فضاء للتوتر

18 أبريل 2026 20:40
أسرة مغربية

هوية بريس – متابعات

لم تعد الأسرة المغربية تلك الخلية الاجتماعية الهادئة والمستقرة كما تحاول التقارير الرسمية تصويرها، بل تحولت اليوم إلى “مساحة توتر صامت” تتقاطع فيها تداعيات الأزمات الاقتصادية، واختلالات السياسات العمومية، والتحولات القيمية العميقة التي تعصف بالمجتمع في ظل غياب بوصلة واضحة.


وفي قراءة تحليلية عميقة لواقع المجتمع المغربي، انطلاقاً من مخرجات تقرير المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025، تسلط الأكاديمية والسياسية المغربية، سعادة بوسيف (رئيسة منظمة نساء العدالة والتنمية)، في مقال منشور على موقع “pjd.ma”، الضوء على ما تخفيه الأرقام الرسمية؛ محذرة من أننا أمام مجتمع يعيد تشكيل نفسه في ظل فراغ تنظيمي خطير.

ورغم أن التقرير الرسمي لا يعلنها صراحة، إلا أن قراءة متأنية لمؤشراته “الباردة” —مثل تقلص حجم الأسرة، وارتفاع نسبة النساء المعيلات، وتأخر سن الزواج، وتصاعد ظاهرة الشيخوخة— تكشف عن تراجع مقلق في القدرة الجماعية للمغاربة على الاستمرار في نموذج العيش المألوف، حيث باتت الأسرة تُدفع نحو هذا التحول دفعاً، ولم تعد تختاره طواعية.

وهم “الخيار الثقافي”.. حين تفرض الأزمة شروطها

وفي العمق، يرفض التحليل التفسير المريح الذي يربط هذه التغيرات بصعود النزعة الفردانية أو “تغير منظومة القيم”، معتبراً إياه خطاباً يُبعد المسؤولية عن الفاعل العمومي. فالواقع أقل براءة من ذلك؛ إذ إن ارتفاع كلفة المعيشة، وهشاشة سوق الشغل، وتحول الاستقرار الاقتصادي إلى “حلم مؤجل”، يجعل من تأخر سن الزواج، على سبيل المثال، نتيجة حتمية لغياب السياسات العمومية الداعمة، وليس مجرد خيار ثقافي حر للشباب.

وينسحب الأمر ذاته على ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء؛ ففي حين يُسوق له أحياناً كمؤشر على “التمكين”، فإنه يعكس في أحيان كثيرة اختلالاً أعمق في توزيع الأدوار والفرص، واضطراراً لمواجهة قسوة الحياة في غياب معيل أو في ظل أزمات بطالة مستفحلة.

غياب المساءلة.. تفكك قديم بلا بديل حديث

ويوجه التحليل انتقاداً ضمنياً للمقاربة التقنية التي تعتمدها التقارير الرسمية، والتي تكتفي بوصف الظواهر دون أن تُسائل دور الدولة.

ويُطرح هنا السؤال السياسي الحاسم: هل نحن أمام انتقال اجتماعي تُواكبه سياسات عمومية ناجعة، أم أمام تحولات تُترك لتتدبر أمرها في “فراغ تنظيمي” تام؟

وتتجلى ملامح هذا الفراغ في التراجع المخيف للأدوار الأساسية التي كانت تلعبها الأسرة، مثل الحماية الاجتماعية، والتضامن الاقتصادي، والتأطير القيمي.

وبدلاً من أن تتدخل مؤسسات حديثة قوية لتعويض هذا التراجع، يشهد المجتمع تفككاً جزئياً للنموذج الأسري القديم دون اكتمال بناء البديل، مما يضع العديد من الأسر على شفا حفرة من الانهيار.

الأسرة المغربية.. من همّ اجتماعي إلى سؤال سياسي

ويرى مهتمون بالشأن المجتمعي أن الأخطر في هذا المشهد هو غياب نقاش عمومي جاد حول مستقبل الأسرة، والتطبيع السلس مع واقع مرير فقدت فيه الفئات الهشة القدرة على تحويل معاناتها اليومية إلى ورقة ضغط سياسي.

إن القضية المركزية اليوم ليست مجرد إقرار بأن الأسرة المغربية تتغير —فالتغير سنة المجتمعات— بل تكمن الخطورة في كون هذا التغير يحدث داخل سياق هش، وفي غياب تعاقد اجتماعي واضح المعالم.

وحين تُستنزف قدرة الأسرة، بوصفها خط الدفاع الأخير للاستقرار والأمن الاجتماعي المجتمعي، على الاحتمال والمقاومة، فإن معالجة أزمتها تتجاوز كونها مطلباً اجتماعياً، لتصبح مسؤولية وسؤالاً سياسياً بامتياز يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد
25°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة