“ثقافة الجشع” تلتهم الطبقة المتوسطة.. هل تحول الفساد إلى احتلال أجنبي؟

هوية بريس – متابعات
أثارت الاعترافات غير المسبوقة للأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، بعجز الحكومة عن كبح المضاربات وتدهور وضعية الطبقة المتوسطة، جدلاً سياسياً واسعاً. وفي تفاعل مع إقرار الأغلبية بعدم تلمس المواطن لجهود محاربة الفساد، وجه الباحث إدريس الكنبوري انتقادات لاذعة لهذه “المفارقة”، متسائلاً عن الجدوى من تقمص الحكومة لدور المشتكي بدل ممارسة سلطتها في التغيير.
وجاء هذا الجدل ليعكس حالة من الانسداد في المشهد السياسي المغربي؛ فمن جهة، يخرج المكون البارز في التحالف الحكومي بنقد ذاتي يقر بتراجع القدرة الشرائية واستفحال المضاربات، ومن جهة أخرى، ترتفع أصوات المفكرين والمراقبين لتسليط الضوء على خطورة تحول الفاعلين السياسيين من موقع “القرار والمحاسبة” إلى موقع “التذمر والشكوى”.
مكاشفة حكومية: الأسعار، البطالة وتأجيل الإصلاحات
وكان نزار بركة قد سجل، خلال لقاء حزبي بمناسبة الدورة الربيعية للبرلمان، أن أسعار المحروقات وطنياً لا تزال تفوق نظيرتها الدولية، مقراً بتراجع وضعية الطبقة المتوسطة جراء بروز “ثقافة الجشع” واستغلال الأزمات.
كما اعترف بأن ملف التشغيل لم يحقق المرجو منه باستقرار البطالة في حدود 13%، مرجعاً ذلك لتخلف القطاع الخاص عن مواكبة الاستثمارات العمومية، وتداعيات الجفاف التي التهمت 200 ألف منصب شغل فلاحي سنوياً.
ولم يتوقف النقد الذاتي لزعيم حزب “الميزان” عند هذا الحد، بل اعترف بأن المواطن المغربي لم يلمس أي أثر لجهود محاربة الفساد رغم المتابعات القضائية، معلناً في الوقت ذاته عن تأجيل ملف إصلاح أنظمة التقاعد الشائك ورمي كرته في ملعب الحكومة المقبلة.
مفارقة سياسية: حين تتقمص السلطة دور المعارضة
ولم تتأخر القراءات النقدية حيال هذه المكاشفة، حيث التقط الكاتب والباحث المغربي، الدكتور إدريس الكنبوري، الخيط الناظم لهذه التصريحات، معتبراً أن اعتبار حزب في الأغلبية الفسادَ “عائقاً أمام التنمية ومطالبته بمحاربته” يُعد أمراً في غاية الغرابة، ومستحضراً المقولة الدارجة: “ما دمت في المغرب فلا تستغرب”.
“الملك يشكو من الفساد، والحكومة تشكو من الفساد، والمعارضة تشكو من الفساد، والمحتجون على الفساد يذهبون إلى السجن، فمن المسؤول عن الفساد يا ألله؟ ومن بيده السلطة لمحاربته؟”
وطرح الكنبوري تساؤلات جوهرية حول دلالات هذا الخطاب الحكومي، متسائلاً عما إذا كان الحزب المعني خائفاً من فضح الفساد المالي والإداري، أم أنه يُقر ضمنياً بأن السلطة الفعلية لمحاربة هذا الوباء ليست بيد الحكومة أصلاً.
دعوة مجازية لـ”مسيرة خضراء” ضد الفساد
وفي توصيف بليغ لعمق الأزمة، اعتبر الدكتور الكنبوري أن المغاربة تساووا جميعاً أمام الغول الذي تغلب على الكل، وبات الفساد أشبه بـ”الاحتلال الأجنبي”.
ودعا في تدوينته، بأسلوب مجازي، إلى تنظيم “مسيرة خضراء جديدة” وصناعة “ثورة جديدة للملك والشعب” لاستعادة السيادة الوطنية من براثن هذا العدو الداخلي الذي يشتكي منه الجميع دون استثناء.
المواطن بين مطرقة الواقع وسندان الخطاب
ويرى مراقبون أن الجمع بين تصريحات بركة وانتقادات الكنبوري يُلخص جوهر الأزمة السياسية الحالية؛ فبينما تحاول أحزاب الأغلبية تبني خطاب “المصارحة” لتبرئة الذمة السياسية وامتصاص الغضب الشعبي الناتج عن غلاء المعيشة، يقف المواطن حائراً أمام مؤسسات تمتلك التفويض الدستوري لمعالجة الاختلالات، لكنها تكتفي بتشخيصها على طريقة المحللين والمعارضين.
ويُنتظر أن يرفع هذا النقاش المزدوج من سقف التحديات أمام الائتلاف الحكومي، الذي بات مطالباً بالانتقال من لغة “توصيف ثقافة الجشع” إلى تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة الصارمة، لحماية ما تبقى من مكتسبات الطبقة المتوسطة واستعادة ثقة الشارع في العملية السياسية.



