أمام صمت المؤسسات وتنميط خطابها.. من يواجه الطعن في الدين؟

أمام صمت المؤسسات وتنميط خطابها.. من يواجه الطعن في الدين؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
في الوقت الذي تتصاعد فيه موجات التشكيك في الدين والطعن في الثوابت الإسلامية داخل الفضاء العمومي المغربي، يبرز سؤال ملحّ يطرحه كثير من المتابعين: أين المؤسسات الدينية الرسمية؟ وأين الخطاب الديني القادر على مواكبة التحولات الفكرية والإعلامية التي يعيشها المجتمع؟
فبين جرأة المتطاولين على القرآن والسنة والدين عموما، وبين حالة الصمت أو الخطاب الباهت الذي لا يلامس انشغالات الناس، اتسعت الهوة بين المؤسسة الرسمية وقطاعات واسعة من المجتمع.
لقد تحوّلت خطب الجمعة، في نظر كثيرين، إلى خطاب نمطي مكرر، بعيد عن قضايا الناس وأسئلتهم الحقيقية. فبدل أن تكون المنابر فضاء لتوجيه المجتمع ومناقشة تحدياته السلوكية والفكرية والأخلاقية والثقافية، أصبحت في أحيان كثيرة مجرد خطب مؤطرة سلفا، تخلو من الجرأة والقدرة على التفاعل مع ما يعيشه المغاربة من نقاشات ساخنة حول الدين والهوية والقيم. ولم يعد المواطن يسمع من فوق المنبر ما يجيب عن الشبهات المنتشرة أو يواجه حملات التشكيك المتزايدة، بل يسمع خطابا عاما لا يكاد يختلف من مسجد إلى آخر.
هذا الواقع مرتبط، بحسب منتقدين، بتحكم السياسي في المجال الديني وإخضاع الخطاب الديني لأولويات المشروع السياسي والإداري، حيث جرى خلال السنوات الأخيرة تضييق مساحة الاجتهاد والتعبير لدى الخطباء والوعاظ، وتحويل كثير منهم إلى مجرد منفذين لأوامر عليا وتوجيهات مركزية صارمة. وهو ما أدى إلى ما يشبه عسكرة الحقل الديني، من خلال فرض الرقابة الدقيقة على الخطباء والقيمين الدينيين، واعتماد سياسة الإبعاد أو التوقيف أو التضييق في حق كل من يُبدي اعتراضا أو يخرج عن السقف المرسوم.
وقد ساهم هذا المناخ في إضعاف ثقة فئات من المجتمع في الخطاب الديني الرسمي، ودفع الكثير من الشباب إلى البحث عن بدائل أخرى في الفضاء الرقمي، حيث وجدوا أصواتا أكثر جرأة وحضورا وتأثيرا، سواء كانت أصواتا دعوية أو تيارات فكرية تشكيكية ولادينية. ومع غياب خطاب مؤسساتي قوي ومقنع، أصبح المجال الرقمي ساحة مفتوحة أمام مختلف الأطروحات، بما فيها تلك التي تتجرأ على الثوابت الدينية بشكل غير مسبوق.
ولعل أخطر ما في الأمر أن المتطاولين على التراث الإسلامي، وعلى القرآن الكريم والسنة النبوية، باتوا أكثر جرأة في ظل ما يعتبره كثيرون صمتا رسميا مريبا. فقد انتقلت بعض الأطروحات التي كانت تُطرح سابقا في دوائر ضيقة إلى برامج إعلامية ومنصات واسعة الانتشار، دون أن يصدر رد علمي ومؤسساتي واضح يوازي حجم الاستفزاز الحاصل. بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى حد وصف رسائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنها رسائل إرهابية، أو التشكيك في جمع القرآن الكريم وصحة السنة النبوية، دون أن تتحرك الجهات الرسمية بالحزم نفسه الذي تتحرك به تجاه بعض الأصوات المحافظة أو المنتقدة.
وفي المقابل، يتذكر كثير من المغاربة مواقف علماء المغرب في فترات سابقة، حين كانوا أكثر حضورا ووضوحا في مواجهة ما يعتبرونه انحرافات أو مفاسد تهدد المجتمع والدين. فقد كان العلماء يعبرون عن مواقفهم بوضوح، وينخرطون في النقاش العمومي، ويواجهون القضايا الفكرية والأخلاقية دون خوف أو تردد. أما اليوم، فقد تراجع حضور العالم المستقل، وحل محله خطاب إداري بارد لا يمتلك القدرة على الإقناع بله التأثير.
ويثير هذا الوضع انتقادات متزايدة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، الذي لا يستنكف في وصف خطباء امتنعوا عن تلاوة الخطبة بالخوارج، في الوقت الذي يلتزم فيه الصمت تجاه من يهاجمون القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل مباشر. ويرى أصحاب هذا الطرح أن المفارقة أصبحت صارخة بين التشدد مع الأصوات الشرعية والتساهل مع الخطابات التي تمس المقدسات والثوابت الدينية للمغاربة.
إن مواجهة الطعن في الدين لا يمكن أن تتم عبر الصمت أو الخطاب المناسباتي، بل تحتاج إلى خطاب علمي رصين، ومؤسسات قوية، وعلماء يمتلكون الحرية والشجاعة والحضور المجتمعي. فحين تغيب الأصوات الموثوقة، يتمدد الفراغ، وحين يُترك المجال دون تأطير فكري حقيقي، تصبح الساحة مفتوحة لكل أشكال العبث والتشكيك والاستفزاز.



