القضية العربية الإفريقية.. ردا على من ادعى أن علاقة العرب بالأفارقة هي علاقة استعباد واستغلال

25 يوليو 2026 21:44
فيديو.. فيديو.. د. عبد السلام أجرير يتحدث عن فرنسة التعليم وتعريبه ويرد على شبه الفرنكفونيين

هوية بريس – عبد السلام أجرير الغماري

طلع علينا أحد القادة الأفارقة ممن فرحنا بظهروه في المشهد السياسي، وتقلده زمام الحكم في بلده على صغر سنه وحداثة تجربته، واستبشرنا خيرا بنهوضه في وجه الغرب، فتوسعت الآمال بطرده للمحتل القديم-الجديد من بلده، وبناء علاقات جديدة قائمة على المصالح لبلده… وما كدنا نستفيق من هذا الحلم الجميل (الذي أصبح نادرا ما نراه في هذه الدول النامية)، حتى استيقظنا على كابوس يحكي خلفية هذا الرجل، ويبين حقيقته، وأنه ما زاد أن استبدل “الذي هو أدنى بالذي هو خير”، وحول بوصلة بلده من ظالم لمجرم، ومن عدو غربي لعدو آخر. فقام بالتطبيع مع كيانات عدوة للدين والثقافة، وراح يعتقل بعض الدعاة والعلماء حتى يخرص انتقاداتهم وأفواههم عن نكران المنكر… ثم زاد الطين بلة بدعواه الغريبة العجيبة بقوله إن العرب استعبدوا الأفارقة واستغلوهم، وتكلم بكلام قبيح عن دارسي العربية والدراسات الإسلامية خارج الوطن الإفريقي في الدول العربية، وهدد وتوعد…

وأنا هنا أرد عليه باختصار واقتضاب في مسائل محددة خاصة، تبين كذبه وافتراءه وتدليسه، وأنه “كالمستجير من الرمضاء بالنار”:

1- المسألة الأولى:

جعل هذا الدعيّ العرب أعداء للأفارقة، وأنا أسأله -ومن نحا نحوه معه- من هو العربي في فهمك وعرفك؟!

أ- إن قلت هو أبيض البشرة، فإن جل العرب لم يكونوا بيض البشرة، بل كان معظمهم أحمر وأسود، أما الأبيض فكان قليل الوجود في العرب؛ لأن العرب أقرب الشعوب للون بشرة آدم أبو البشر عليه السلام، وآدم لم يكن أبيض اللون، بل كان أحمر فيه سمرة، ومنه اشتقت الأدمة، وهي الأرض الحمراء المائلة للسواد.

بل لم يرد -حسب علمي- في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث فيه تقابل بين الأبيض والأسود، بل التقابل كان بين الأحمر والأسود، كما في الحديث الصحيح «لا فضل لعربي على عجمي، ولا فضل لأحمر على أسود إلا بالتقوى».

ثم إن الكثير من السود وجدوا في العالم العربي منذ القديم، واعتبروا أنفسهم عربا منذ القديم، ولا يعرفون نسبة إلا نسبة العروبة، ولم ينكر أحد عليهم بأنهم غير عرب، ولم يخرجهم احد من العروبة بسبب سود البشرة، كالسودان واجزاء كبيرة من الحبشة… وقد كانوا اسيادا وملوكا، استعبدوا هم أنفسهم غيرهم بدون عقدة نقص.

ب- أما إن قلت إن العربي هو الذي ينسب إلى يعرب بن قحطان، أو هو الذي يرجع في أصله الى المضرية أو القيسية وغير ذلك من قبائل العرب العاربة أو العرب المستعربة، فانك تخرج بهذا أكثر من 80% من العالم العربي الحالي، فجل هذه الدول إنما وقع لها نوع من الاستعراب، كما وقع لشعوب الشام والعراق ومصر ودول المغرب وغيرها كثير، فهذه الدول عند التحقيق لا نجد لها نسبة إلى القبائل العربية القديمة، بل هي قبائل وشعوب لها امتدادات مختلفة عن العرب في أرومتها وأصولها، ولكنها مع مرور الوقت دخلت في رابطة العرب، وامتزجت بهم واختلطت، واستعملت لغة العرب وثقافتهم، ثم جاء الإسلام فقرب بين هذه الشعوب بجامع الدين، فاكتملت الصورة، وأصبح هؤلاء جميعا عربا، ولم ينكر أحد هذا الانتساب.

وعليه ف العالم العربي الآن كل دوله في الأصل ليسوا عربا بالأصل، بل هم مستعربة، ولا فرق بينهم وبين الكثير من الدول الإفريقية، فهي دول تنتمي إلى العروبة، وان لم يكن شعوبها في الأصل تنسب الى يعرب بن قحطان…

ج- إن كل من تحدث باللسان العربي وجعله لسانا للفهم والاستنباط وتبنى ما له علاقه بهذا اللسان، فهو عربي. وقد ورد في بعض الآثار أن “من تكلم بالعربية فهو عربي”. ولذلك لم يفرق المسلمون الأوائل بين صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي، وبين غيرهم من باقي المسلمين العرب، فاعتبروا الجميع عربا مسلمين، ولولا هذه الرابطة القوية: رابطة الدين واللسان لما رأينا بلال بن رباح الحبشي الأسود يتقلد منصبا خطيرا كمسؤولية بيت مال المسلمين، ويستأمن على أرزاقهم وأقواتهم… فيكون مسؤولا على المسلمين وفيهم الأبيض والأحمر.

فإذن العربي هو كل من نطق بالعربية، وإن كان في أصله غير عربي، فهذه المسالة محسومة بأن العربي كل من انتمى الى هذه الأرومة العربية، إلى هذا اللسان العربي الذي هو وعاء الوحي.

وهذا الذي جعل الكثير من الشعوب (كما قلت حوالي 80% أو ربما أكثر)، تنتمي إلى #العالم_العربي، فهي عربية اللسان والثقافة، وليست عربية الجنس والقومية.

وإذا لم نستحضر هذا المقياس الفريد الضابط الجامع، فاننا سنُخرج الكثير من الشعوب من هذه العروبة، وعلى رأسها قريش ذاتها، ونحن نعلم أن قريشا في الأصل تنتمي إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام، واسماعيل باجماع البشر لم يكن عربيا بالمعنى التقليدي لكلمة العرب، بل كان عبرانيا، تعلم اللسان العربي من قبيلة جرهم التي تربى في كنفها. فهل يدعي أحد بأن قريشا ليست عربية، وأن خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس عربيا، لأنه في الأصل ينتمي إلى إسماعيل وهو ليس عربيا!؟ بل لا يخطر على بال أحد ان يجعل قريشا خارج دائرة العرب، بل لم يكن في العرب أفصح من قريش، وبلسانها نزل القرآن ونزل الوحي.

فاذن نخلص من هذا أن من اهتم بلسان العرب وتعلم العربية فهو منهم، سواء كان أسود أو أحمر أو أبيض، فلا فرق بين هؤلاء جميعا.

2- المسألة الثانية:

جعل هذا الدعيّ علاقة العرب بالأفارقة علاقة عداوة وصراع واستعباد، وعمم ولم يفصل. (واسم أفريقيا مأخوذ من إفريقية التاريخية، وهي تونس الحالية، وهو أصلا اسم عربي الأصل بالإجماع)، وهو يشير في هذا إلى ما وقع في بعض المراحل من تاريخ بعض الدول الاسلامية من حركات لاحتواء بعض شعوب ودول وممالك غرب إفريقيا ووسطها، وقد صاحب هذه الحركات دخول الكثير من السود/ الزنوج في العبودية، وهذا معروف محفوظ خاصة في الحملات التي قادها بعض ملوك وسلاطين وخلفاء الدول الإفريقية في شمال افريقيا، كالدولة السعدية (خاصة في عصر السلطان أحمد المنصور الذهبي)، في علاقتها مع مملكة سونغهاي إلى آخره…

والناظر في هذه الأحداث لا يراها نشازا، ولا يجعلها خاصة بالأفارقة غرب افريقيا، وليست خاصة بالزنوج دون سواهم، فلم يكون استعباد الكثير من السود من مملكة سونغهاي وغيرها بسبب لون البشرة، بل كان ذلك بناء على قانون الدول قديما، وقانون العالم القديم أن الدولة المتغلبة على الدولة المخالفة المعادية، يتم استعبادهم أو قتلهم او فديتهم.

فعندما تغلب السلطان السعدي على مملكه سونغهاي وغيرها، بطبيعة الحال كان الكثير من هاته الشعوب تدين بالشرك وبالوثنية، فطبق فيهم ما طبقه في غيرهم، وطبقه غيره في غيرهم، من استعباد واسترقاق، أو قتل وفدية، إلى آخره… وهذا قانون دولي حينها لم يستثن من ذلك لا سود ولا بيض، لا مسلمين ولا كافرين.

وقد استعمل هذا القانون من المسلمين مع باقي الدول الأخرى ك الافرنج والروم والفرس وغيرهم، والكثير من العبيد والرقيق الذين كانوا في العالم العربي قديما كانوا من هذه الدول التي استسلمت أو تم اخضاعها للحكم بعد حروب، فهو إذن قانون دولي متعارف عليه، يقضي بأن الغالب في الحرب له الحق في ثلاثة أمور: اما القتل، وإما الاسترقاق، وإما المن والفداء.

وحصر هذا الرجل الدعي علاقة الاستعباد في السود الأفارقة دون غيرهم، يوهم بأن هذا الرق والعبودية كانت خاصة فقط بالأفارقة وبالزنوج، وأن العرب لم يستعملوها مع غيرهم! بل التاريخ حافل بحالات استعبد فيها غير الأفارقة، بل اكثر من ذلك فإن الكثير من الممالك الإفريقة استعبدوا غيرهم من الشعوب الإفريقية نفسها، أو من الشعوب الأخرى؛ لأن القانون الدولي حينها كان ساريا بان الغالب يستعبد المغلوب.

3- المسألة الثالثة:

إن الشعوب الإفريقية: سواء البيض منهم او السود على حد سواء، عندما وصلتهم دعوة الإسلام مع الفاتحين المسلمين، وأحيانا قبلهم مع التجار، تبنوا هاته الدعوة، ودخلوا فيها عن طواعية، وتبنوا جميعا ما اتصل بالإسلام، وعلى رأس ذلك اللغة العربية؛ لانها لغة هذا الدين ولغة وحيه الخالد الخاتم، فعلموا أن قوة هذا الدين في لغته، فاعتنوا بها وافتخروا بها وبرزوا فيها بدون عقدة نقص، بل بفخر واعتزاز، ولم يفرض الحكام المسلمون العرب على غيرهم لغة العرب، وهذا معلوم مقطوع به.

وامتداد هذه الدراسات العربية والاهتمام بالعرب وبالشعر العربي هو جزء من امتداد ثقافة المسلمين، ليس خاصا لا بعرب الجزيرة ولا بعرب شمال إفريقيا ولا بعرب الشام، بل هو عام في كل من انتسب الى هذه الجامعة الشاملة، فدراسة الأفارقة، وخاصه أفارقة غرب أفريقيا للعربية، وانكبابهم على الدراسات الاسلامية، هو جزء من هويتهم، وجزء من تاريخهم، ومن يحاول جعل ذلك حاجزا بينهم وبين هويتهم، فهو دخيل عليهم، والأولى به أن يلفظ هو ويترك ويدفع.

4- المسألة الرابعة:

إن التحديات المعاصرة اليوم لدول إفريقيا وغيرها ليس من بينها إثارة هذه القضايا الاستشراقية الغربية، بل مشكلة #إفريقيا مشكلة ذاتية أولا، لها علاقة بالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ثم هي مشكلة خارجية أيضا لها تعلق بالاستعمار الحديث، هذا الاستعمار هو الذي خرب العقول وشتت الدول، هذه الدول التي نراها اليوم كانت في الماضي أجزاء كبرى متحدة، وكانت قوية إبان الحكم الإسلامي، فجاء المستعمر وشتت وفرق بين هذه الشعوب وبين هذه الدول، من باب المنطق الاستعماري المعروف “فرق تسد”.

فبدل ان يحارب هؤلاء الفكر الغربي الغريب، راحوا ينخرون في جسم الامة الافريقية والأمة العربية، وهما أمة واحده في الأصل.

5- المسألة الخامسة:

وأخيرا لا بد من التنبيه إلى أن الكلام في هذه المواضيع يحتاج إلى قلب سليم، وعلم رصين، ومقصد نبيل، وغاية شريفة، فاذا تحدث الإنسان في هذه المواضيع بأيديولوجية موجهة، فإنه يفسد أكثر مما يصلح، يشتت أكثر مما يجمع… فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى إثاره هذه المواضيع بعد أن مر التاريخ بحلوه ومره، وأصبحت هذه الدول لها علاقات وامتدادات فيما بينها، واصبحت هذه الشعوب لها علاقات وثقافات متداخلة، شكلت هويتها.

فالبحث في التاريخ بهذا النوع من التفكير يزيد من الفرقة والبعد، ويثير الإشكالات أكثر مما يحلها، فالحكيم الخبير المريد الخير لوطنه ولباقي الأوطان المجاورة يركز على ما يجمع لا على ما يفرق، يركز على ما يوحد لا على ما يشتت. فكل دعوة إلى هاته المسارات التي تستنهض أحداثا معينة معزولة عن سياقاتها وعن مقاصدها، فهي نبتة فاسدة ودعوة جاهلية منتنة، الأولى بها أن تدفن في مهدها.

{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة