إخضاع حسابات ودائع المحامين لرقابة رسمية يثير غضب المحامين

04 يوليو 2026 11:42

هوية بريس- متابعات

بتاريخ 23 يونيو 2026 صادق مجلس المستشارين -الغرفة الثانية للبرلمان المغربي- بالأغلبية على مشروع تعديل قانون المحاماة بعد إدخال تعديلات جوهرية على النص الذي سبق أن أقره مجلس النواب.
وقد أثار المشروع نقاشا واسعا، خاصة بعد التنصيص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بين من اعتبر ذلك خطوة لتعزيز الشفافية والحكامة وحماية حقوق المتقاضين، ومن رأى فيه مساسا باستقلال مهنة المحاماة وتنظيمها الذاتي.
رقابة موسعة على حسابات الودائع
يُعد حساب الودائع والأداءات آلية مالية مستقلة أحدثها القانون المنظم لمهنة المحاماة، حيث تُودَع فيه المبالغ المالية التي يتسلمها المحامون من موكليهم أو الناتجة عن تنفيذ الأحكام القضائية. ويهدف هذا الحساب إلى الفصل التام بين أموال المحامي الخاصة وأموال الغير، بما يضمن حماية حقوق المتقاضين وتعزيز الشفافية في تدبير الأموال.
ويخضع هذا الحساب حالياً لإشراف كل هيئة في إطار التنظيم الذاتي للمهنة، حيث يتم مسك سجل يومي للعمليات، والخضوع الى تدقيقا مالي سنوي تحت إشراف نقيب الهيئة والنيابة العامة المختصة.
وقد منح مشروع التعديل الجديد لقانون المهنة وفي سابقة تعد الأولى من نوعها المجلس الأعلى للحسابات صلاحيات واسعة لمراقبة العمليات المالية والمحاسبية المتعلقة بحسابات الودائع والأداءات، حيث نصت المادة 75-1 من المشروع على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين، لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وذلك للتحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة به، ولا سيما عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف. ولهذه الغاية، يعد مجلس كل هيئة من هيئات المحامين، عن كل سنة مالية، حسابا سنويا خاصا بحساب ودائع وأداءات المحامين، يتضمن الوضعية المالية لهذا الحساب عند افتتاح السنة المالية المعنية، وجميع العمليات المالية والمحاسبية المنجزة خلال هذه السنة، وكذا الوضعية المالية للحساب عند اختتامها. كما تضمن التعديل مقتضى جديد يمنع مجالس هيئات المحامين من اقتطاع أي مبالغ من الأموال المصفاة المودعة بحسابات الودائع والأداءات الخاصة بالمحامين وموكليهم، في إجراء اعتبرته الحكومة ضروريا من أجل تعزيز حماية أموال المتقاضين وضمان عدم التصرف فيها خارج الإطار القانوني المحدد.
رقابة تفرضها المصلحة العامة
يرى مؤيّدو هذا التعديل أن الطبيعة الخاصة لحسابات الودائع لا تحول دون إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لأن اختصاصه لا يتحدد فقط بكون الأموال عمومية أو خاصة، وإنما يمتد إلى الأموال التي يحيطها المشرع بتنظيم قانوني خاص تحقيقًا للمصلحة العامة، وفي هذا الإطار يعتبر الدكتور محمد براو أن هذه الحسابات ولئن كانت تضم أموالًا مملوكة للموكلين والغير، إلا أنها تخضع لنظام قانوني دقيق يهدف إلى ضمان سلامة تدبيرها وحماية حقوق أصحابها، مما يجعلها من قبيل “الأموال الخاصة المنظمة”. ويستطرد قائلا: “من حيث المبدأ، يمكن للسلطة التشريعية أن تُخضع بعض الأموال أو الأنشطة الخاصة مثل ودائع المحامين أو هيئات مهنية أخرى لرقابة جهاز قضائي مستقل ومتخصص مثل المجلس الأعلى للحسابات إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، لأن المشرّع يملك صلاحية تنظيم آليات الشفافية والرقابة في إطار الدستور، كما أن تعزيز الثقة العامة وتحصين مرفق العدالة من المخاطر والمنزلقات تعتبر أهدافا كفيلة بتبرير هذا التوجه التشريعي . أما من حيث كيفيات التطبيق، فيتعين أن يكون هذا الإخضاع: محدداً بنص قانوني واضح وهو أمر حاصل، ومبرراً بالمصلحة العامة، متناسباً مع الهدف، ومحترماً لاستقلال المهنة والسر المهني والحقوق الأساسية، وهذا ما لا يمكن المجادلة فيه مبدئيا أمام حضور المجلس الاعلى للحسابات”. ويستنتج تبعا لذلك بأن المبدأ يسمح بهذه الإمكانية التي أقرها التعديل الجديد، لكن التطبيق يبقى مقيدا بضوابط دستورية وأخلاقية لضمان عدم المساس باستقلالية المهنة أو تحويل الرقابة إلى تدخل شامل في شؤون خاصة.
توسع غير دستوري في اختصاص المجلس الأعلى للحسابات ومس بالتنظيم الذاتي؟
من جهته، يؤكد عزيز رويبح، نقيب هيئة المحامين بالرباط، على أن التدبير المالي لهيئات المحامين يندرج ضمن مبدأ التدبير الذاتي الذي يكفله القانون للمهنة، مشددا على أن الموارد المالية للهيئات لا تنتمي إلى المال العام، وإنما تتكون أساسا من مساهمات المحامين وأتعابهم، ما يجعلها أموالا خاصة تخضع لرقابة المؤسسات المهنية الداخلية، وليس لأي جهة خارجية.
ويضيف، أن مالية الهيئات يتم تدبيرها وفق آليات قانونية وتنظيمية واضحة، وأن الجهة المخول لها مراقبة هذا التدبير هي أعضاء الهيئة أنفسهم، عبر الأجهزة المنتخبة وآليات المحاسبة الداخلية، معتبرا أن استقلالية المهنة تقتضي الحفاظ على هذا النموذج في التسيير دون إخضاعه لأي وصاية خارجية.
وفي ما يتعلق بنظام الودائع، يشدد نقيب هيئة المحامين بالرباط على أن هذه الأموال تختلف عن مالية الهيئات، لأنها ودائع تخص الموكلين ولا يملك المحامي حق التصرف فيها وفق إرادته، بل يتم التعامل معها في إطار اتفاقات واضحة ومسبقة تربط المحامي بموكله، وتحدد كيفية تدبيرها واستعمالها.
ويبرز أنه في حال تسجيل أي اختلال أو شبهة تتعلق بهذه الودائع، فإن النيابة العامة، تتدخل وفق المساطر القانونية، من خلال مراسلة النقباء واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية حقوق المتقاضين وصيانة الثقة في المهنة. مؤكدا على أن أي نقاش حول هذا الموضوع يجب أن يراعي خصوصية مهنة المحاماة وضماناتها الدستورية، وفي مقدمتها الاستقلالية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق العدالة وحماية حقوق المتقاضين .
في نفس السياق يرى الناشط والمحامي بهيئة تطوان نوفل بوعمري أن التعديلات التي أدخلتها الغرفة الثانية للبرلمان المغربي على مقتضيات تدبير صندوق ودائع وأداءات المحامين لا تستهدف فقط المس بالتنظيم الذاتي للمهنة، وانما تروم أيضا إضعاف الاستقلالية المالية لهيئات المحامين وتجفيف مصادر تمويل التعاضدية وصناديق التضامن والتكافل الاجتماعي، التي كانت توفر الحماية الاجتماعية للمحامين وتساهم في تمويل التأمين عن المسؤولية المدنية ودعم التسيير الذاتي للهيئات. وذلك من خلال منع الاقتطاعات من حسابات الودائع، مؤكدا أن هذه الاقتطاعات كانت تتم باتفاق بين المحامين وفي إطار التنظيم الذاتي للمهنة وتتعلق بأموال خاصة ولا تمس بحقوق الموكلين، معتبرا أن تدخل المشرع لمنعها يفتقر إلى مبرر تشريعي، ويعكس توجهاً نحو التحكم في المهنة وتقويض استقلالها، بما يتعارض مع قيم التضامن والتكافل التي تميزها.
احتجاجات واسعة للمحامين ودعوات إلى سحب المشروع
وتفاعلاً مع الجدل، نظمت جمعية هيئات المحامين بالمغرب وقفة وطنية أمام البرلمان، شارك فيها مئات المحامين والمحاميات، رفضًا لمشروع القانون، معتبرين أنه يتضمن مقتضيات تمس باستقلال المهنة وتنظيمها الذاتي ومنظومتها الاجتماعية، كما من شأن المصادقة عليها اضعاف الضمانات المرتبطة بحق الدفاع والمحاكمة العادلة.
وأكد رئيس الجمعية، الحسين الزياني، أن الاحتجاج يهدف إلى الدفاع عن استقلال المحاماة باعتبارها شريكًا دستوريًا في تحقيق العدالة، منتقدًا ما وصفه بالتراجع عن منهجية الإصلاح التشاركي واعتماد مقاربة أحادية في إعداد المشروع. ودعا إلى سحب المشروع بصيغته الحالية، وتجميد مساره التشريعي، وفتح حوار جديد يفضي إلى إصلاح توافقي يحترم الدستور ويحافظ على مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
31°
32°
أحد
30°
الإثنين
28°
الثلاثاء
30°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة