البراغماتية…

البراغماتية…
هوية بريس – يونس فنيش
لا وجود لبراغماتية مطلقة و بلا حدود عند العقلاء بل فقط براغماتية مؤقتة حسب أحداث محددة أو واقع قد يفرض تنازلات مقابل مكتسبات، من أجل مواجهة أمر ما يهدد تحقيق أولوية هامة أو لحل مشكل عويص.
و في معادلة بين طرفين، من الطبيعي ظاهريا أن يكسب القوي أكثر من الضعيف و قد يبدو ذلك واضحا عبر بنود معاهدات بينهما، ولكن الضعيف الذكي الحكيم يعرف كيف، مثلا، يحافظ على دينة و ملته و هويته لأن تمة حضارته و وجدانه و كينونته و جوهره، وذلك عبر رسم حدود على أرض الواقع إن لم يستطع فرض مواد في عقد اتفاق تجنبه الخسران المبين أو الخسارة مقابل مكسب سريع في مسألة معقدة طال أمدها، مثلا.
لا يمكن تمجيد البراغماتية لدرجة فقدان بوصلة الحياة على وجه الأرض لأن إذا كان الإنسان السوي يسعى إلى اكتساب المادة بالتعامل ببراغماتية، ففقط من أجل هدف المحافظة على إنسانيتة، ضميره، نمط عيشه، كرامته، و ليس من أجل إشباع غريزته الأولى التي تجاوزها كإنسان متحضر لا يستطيع العيش بدون مبادىء تحمي روحه من الضياع الكلي التام الشامل.
في كل مجموعة بشرية، إعمال البراغماتية يبقى أولا شأن الزعماء أهل الحل و العقد، فيستعملونها بعد دراسة علمية عميقة لكل نتائجها المفترضة كلما ادعت الضرورة حسب الظروف المفروضة و فقط من أجل المصلحة العامة الأسمى، ولذلك فبعض “التابعين” في كل مجموعة بشرية لا يجب أن يستغلوا كل قرار قد يكون مؤقتا يتخذه الزعماء، جلبا للمصلحة العامة و درءا لمفسدة أو خطر ما، بهدف الإسترزاق و بدعوى مساندتهم لبراغماتية الزعماء و في الحقيقة هم فقط يتسترون وراء الزعماء بانتهازية مقرفة، لدرجة، مثلا، تخوين كل رأي مخالف لا يريد جعل البراغماتية المطلقة “عقيدة” له، مثلا، و ذلك لأن كذا “تابعين” إن وجدوا لا يتحركون سوى في أفق المنفعة الذاتية أو صوب هدف مشترك بين قلة قليلة داخل المجموعة و فقط، و عامة إذا انقطع تدفق المال أو المنفعة انقطعت مساندتهم بعيدا عن روح الإنتماء للمجموعة حقا و حقيقة.
خلاصة: البراغماتية “الدبلوماسية” أو البراغماتية “السياسية” المعتمدة داخل المجموعات البشرية ليست عقيدة جامدة بل فقط طريقة لحل الأزمات مؤقتا، و أما “البراغماتية في التجارة و الأعمال” فمجرد مدرسة لتنمية رأس المال حسب قيم محددة. و الله أعلم.



