التناقض الأمريكي-“الإسرائيلي” في الحرب على إيران

هوية بريس- محمد زاوي
الإطار الاستراتيجي العام لهذه الحرب، هو التناقض العالمي الكبير بين رأسمال ظل مسيطرا منذ تسعينيات القرن الماضي، ورأسمال آخر صاعد يتبنى نموذجا مختلفا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وسياسيا.. ظل الرأسمال الأمريكي يستفيد لعقود مما تتيحه السيطرة من مكاسب اقتصادية في مختلف مناطق العالم المتاحة له، خاصة في الشرق الأوسط كموقع استراتيجي اقتصاديا، نظرا للإمكانات النفطية الهائلة التي يزخر بها، ونظرا لارتباط السياسات الاقتصادية الأمريكية -سياسات البترودولار- بهذا المورد الطبيعي.
في الشروط الجديدة، يمكن الحديث عن مستجدين كبيرين: مستجد داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومستجد عالمي.. فأما المستجد الأمريكي فيتجلى في استنفاد سياسات السيطرة (اقتصاد السيطرة) لأغراضه، الأمر الذي أصبح يهدد الاقتصاد الأمريكي نفسه، في ظل صعود اقتصاد صيني ضاغط، ومعه اقتصادات وطنية أخرى تبحث عن آفاق جديدة لتحررها وتنمية قوى إنتاجها.. وقد عجل هذا المستجد باحتدام التناقض بين الرأسمال المدني والرأسمال العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، احتداما بلغ درجة الصراع داخل أمريكا وخارجها. وعندما نتكلم عن صراع خارج أمريكا، فينبغي استحضار كافة الجبهات بما في ذلك تلك التي يسعى الكيان الصهيوني إلى توسيعها بتوريط ترامب.
وأما المستجد العالمي، فيتجلى أساسا في تغير عرفه التناقض الرئيس العالمي.. فقبل الصعود الصيني، ساد تناقض رئيس الطرف الرئيس فيه هو الرأسمال الأمريكي والرأسمال الأوروبي وحلفاؤها من الرأسمالات الكبيرة (اليابان/ كوريا الجنوبية/ أستراليا/ الخ)، وطرفه الثانوي هو النقيض الذي تحول الإمبريالية الجديدة دون تقدمه وانعتاقه.. انعتقت الصين بنموذج خاص في التقدم الاقتصادي والتدبير الجيوسياسي، فأخذت تشكل شيئا فشيئا قوة موازنة في النظام الاجتماعي-السياسي الدولي، ليصبح العالم اليوم فضاء كبيرا لتناقض بطرفين متكافئين، أو اقتربا من ذلك..
هذا التهديد الخطير وغير المسبوق الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية جعل رأسمالها المدني يفكر بجدية وعلى عجل في الطريق التي يجب أن تواجَه بها الصين.. وهي طريق اقتصادية أساسا، لأن كل طريقة عسكرية -أي عن طريق الحرب- ستجعل الصين تربح زمنا إضافيا لتحقيق تقدمها، وبالمقابل تورّط أمريكا في حروب وصراعات مرهقة تراكم الخسائر وتعرقل نموذج التغيير الداخلي الذي قررته إدارة ترامب. ما السبيل إذن؟ التفرغ للصين.. غير أن هذا التفرغ لن يتم إلا على حساب حلفاء الصين. وهذه هي العقدة الاقتصادية والجيوسياسية للصراع الحالي، إذا لا وصول إلى الصين إلى بعد إنهاك القوة الأمريكية في مواجهة حلفائها في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.
يستهدف ترامب مصادر القوة الاقتصادية الصينية، لكنه يجد أمامه معيقات جيوسياسية معقدة، وأبرزها معيق إيران في الشرق الأوسط.. هذا المعيق الذي أصبح معقدا، في ظل وعي الأوروبيين ودول عربية وإسلامية بالمأزق، بما في ذلك دول الخليج (السعودية على وجه الخصوص).. يتقاطع غرض ترامب مع غرض “الإسرائيليين” في “ردع إيران” لكنهما يختلفان في نقطتين أساسيتين لا بد من الانتباه إليهما:
-يتجاوز ترامب إيران إلى الصين، يخاطبها و”يتحرش” بها من خلالها، لكن “الإسرائيليين” -اليمين المتطرف الإسرائيلي- لا يرون أنفسهم معنيين بهذه المعركة الكبيرة ما دامت أمريكا تتكفل بها وتضمن وجودها في ظل أي تقسيم دولي جديد، بالإضافة إلى علاقتهم هم أنفسهم بالصين التي تجيد لغة المصالح تأسيا بأجدادها!
-يريد ترامب ردعا مؤقتا، في مستوى بعينه، غرضه منه خلق توازن في الشرق الأوسط يحقق المصالح الأمريكية، ويحرره من مستنقعه (كما يريد التحرر مستنقع أوروبا الشرقية) بغرض التفرغ لمنافسة الصين اقتصاديا وجيواقتصاديا؛ في حين يريد “الإسرائيليون” هيمنة مطلقة في الشرق الأوسط، وهذه -ربما- ليس في مصلحة ترامب نفسه، لأنها تطيل أمد الصراع وتفتح الباب أمام إرباك اليمين الإسرائيلي المتطرف لحساباته في الشرق الأوسط.
وعلى هذا الأساس، فيمكننا القول إن ترامب مهيأ للانسحاب من الحرب قبل خوضها، في حين أن “الإسرائيليين” يسعون إلى تمديد زمنها.. أما إذا قرر ترامب هذا التمديد، فلا شك أنه لأغراض اقتصادية وجيواقتصادية وجيوسياسية تدخل ضمن استراتيجيته العامة.. “إسرائيل” جزء من هذه الاستراتيجية، كباقي دول الخليج والمنطقة العربية وتركيا وإيرن التي تلعب أوراقها الأخيرة ضد هذه الاستراتيجية؛ غير أن “اليمين الإسرائيلي” يعتقد أنه قادر على قلب الطاولة على ترامب نفسه، وخلق استراتيجية موازية للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط مهما تقاطعتا في مواقف معينة..



