”الجوطية” كأسلوب حياة

”الجوطية” كأسلوب حياة
هوية بريس – زوهير النبيه / باحث في علم الاجتماع
يسترعي انتباهك وأنت تجول في مدينة مغربية ما، كبيرة كانت أم صغيرة، وفي أحيائها الشعبية على الخصوص، الركام الهائل من الأشياء المتلاشية التي تؤثث أسطح المنازل. حيث يراكم المغاربة أشياءهم التي لم تعد لها منفعة اليوم، خوفا من غد قد يحتاجونها فيه ولا يجدونها أو يضطرون لشرائها. حيث يطبقون عل أرض الواقع المبدأ المغربي الشهير “لي خزنتيها تنفعك” (كل ما تخبئه اليوم سينفعك في المستقبل).
ويشكل الكم المركوم من المتلاشيات ”جوطية” مصغرة لكل منزل، ”جوطية” المجال “الحميم”، المجال الخاص. كما أن للمجال العام ”جوطيته” تتملك ساحة عمومية أو شارعا. والجوطية عبارة في الغالب عن سوق للمتلاشيات والملابس المستعملة وغيرها من الأشياء التي استغنى عنها أصحابها. ولا تخلو مدينة مغربية من هذا النوع من الأسواق. وعلى ما يبدو أن تجميع المتلاشيات سنة دأب عليها سواد أعظم من المغاربة. كما يبدو أن هذا الحفاظ على الأشياء يسايره حفاظ على الأسماء كذلك. ولهذا ندعي أن ”الجوطية” ليست مكانا لتجميع الأشياء والمتاجرة فيها فحسب، وإنما هي أسلوب حياة.
يرجع البعض تسمية “الجوطية” إلى تحريف الكلمة الفرنسية “جوتيJeter ” والتي تأتي بمعنى أَرْمَى ورمى وأَلْقَى وقَذَفَ ورَشَقَ. إلا أن الكلمة توجد بصيغة الجمع في كتاب لمحمد بن عبد الله الصفار الأندلسي التطواني بعنوان (رحلة الصفار إلى فرنسا) في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر أي قبل الاحتلال الفرنسي للمغرب. ففي معرض وصفه لطريقة إشهار السلع في الديار الفرنسية، يقابل ذلك بالطريقة المغربية بقوله “لا توجد عندهم في أسواقهم جوطيات يباع فيها بالسماسرة كما عندنا”[1] . والذي يدعو إلى التساؤل إحالة عند كلمة “جوطيات” إلى كتاب الفرنسي روجي لوتورنو المعنون ب (فاس قبل الحماية) الذي كتب سنة 1949. كما نجد في الإحالة المفردة “جوطية” بمعنى سوق ينعقد يوميا في المدن المغربية، وتباع فيه الحوائج القديمة أو المستعملة بواسطة الدلال أو السمسار.
ولتبرير هذا التعلق القديم ب”الجوطية” سنركن إلى بعض التفسيرات الأنثربولوجية لنقول إن المغاربة يخافون من “الفقدة”[2] التي عاشوها قرونا خلت، ويهابون أن تتكرر فصولها المرعبة. والتاريخ يسجل بحروف كبيرة فترات عصيبة مرت لم يجد فيها أجدادنا غير الأعشاب والجراد للهروب من براثين الجوع. وقد كتب المؤرخان برنار روزنبرجي وحميد التريكي مؤلفا عن المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17 والذي ترجمه إلى العربية عبدالرحيم حزل. كما كتب محمد الأمين البزاز تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب خلال القرنين 18 و19. وبالنظر إلى هذه المدة الطويلة الممتدة على أربعة قرون، لا بد أن لها وشما عالقا في الذاكرة الجمعية.
وفي وقت ليس بالبعيد، بين سنتي 1944 و1945 تكررت حالة الجوع المقترن بالوباء، نتحدث هنا عن عام “البون”[3] الذي فرضت فيه فرنسا – دولة المحتل- على المغاربة قسيمة شراء «bon» للحد من ابتياع المواد الأساسية من طرف المغاربة، واستغلالها لإطعام الفرنسيين والعسكر إبان الحرب العالمية الثانية. العام الذي عانى فيه المغاربة من سرقة الفرنسيين والأوبئة والمجاعة وشح الأمطار، حتى أطلقوا عليه عام القحط.
لا بد أن لهذه السنين العجاف تداعيات تختلف مستوياتها على الممارسة الاجتماعية. وإن لم تكن أسبابا مباشرة تحكم علاقة المجتمع مع المجال الذي يتطور فيه، فهي مدخلات لتفسيرات ممكنة لعلاقة الناس مع مادية العالم. والواقع المرصود من خلال الملاحظة الموضوعية هو ارتباط المغاربة بأشيائهم القديمة والتي لا تصلح لشيء في كثير من الأحيان، وحبهم الكبير للتجول في “جوطية” المدينة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد بن عبدالله الصفار(2007). رحلة الصفار إلى فرنسا 1845 – 1846 (ط. الأولى). بيروت – أبو ظبي: دار السويدي. ص. 175.
[2] مصطلح باللهجة المغربية يعني حالة اختفاء سلعة ما من السوق. وأصلها من الفعل فقد أي ضاع وغاب.
[3] كلمة من الدارجة المغربية مأخوذة من الكلمة الفرنسية «bon» المشار إليها في المتن. ويحيل المغاربة بذكر هذا العام على أزمة الغذاء التي رافقت ظهوره.



