العالم حزين لأن سلامة الناجي لا تصوم!

03 مارس 2026 12:41

العالم حزين لأن سلامة الناجي لا تصوم!

هوية بريس – عبد الإله الرضواني

في مغرب يغرق بالمشاكل الحقيقية، من البطالة التي صارت وباءًا يُصيب الشباب قبل الشيخوخة، إلى الأسعار التي تقفز كل صباح لتجعل إفطار رمضان حلمًا بعيدًا يُرى فقط في الإعلانات التلفزيونية، قررت الأستاذة سلامة الناجي أن تنقذنا جميعًا من موت الملل المُرعب… بإعلان مصيري يستحق جائزة نوبل في الفضول غير المبرر: «لا أصوم منذ 2017»! نعم، يا سادة، فجأة وكأننا في جلسة استشارية سرية بين أصدقاء حميمين، خرجت علينا بخبر شخصي لم يسأل عنه أحد، ولم يعبأ به أحد، ولم يغيّر نوم أحد… إلا ربما خوارزميات الإنترنت التي بدأت تهضم الخبر كوجبة دسمة، تُقسمها إلى هاشتاغات وتعليقات ودورات لا تنتهي من الغضب الافتراضي.

تخيّلوا المشهد بكل تفاصيله السينمائية: لا مقابلة تلفزيونية حيث يُسأل المذيع بفضول هستيري «هل تصومين يا أستاذة؟»، لا استطلاع رأي جماعي على تويتر يقول «صيام سلامة: نعم أم لا؟»، ولا حتى جار فضولي طرق بابها ذات ليلة رمضانية يهمس «قلي لي، صايمة ولا لا؟». فجأة، كبرق من السماء الصافية، قررت أن تشاركنا هذا السرّ العظيم الذي كان مخفيًا في أعماق قلبها منذ سنوات! هل كانت تنتظر لحظة الإلهام الإلهي؟ أم أن الإنترنت كان يناديها بصوت خافت «أعطيني محتوى، أرجوكِ»؟ الهدف، في النهاية، واضح كالشمس في منتصف النهار: نقرات، ضجة، مشاركات، تعليقات نارية، وتفاعلات تُغذّي الخوارزميات كأنها وقود لآلة لا تشبع. ففي زمن اللامبالاة الشاملة، أفضل طريقة لجذب الانتباه هي الاعتراف بما لا يهتم به أحد… أبدًا، وكأن القاعدة الذهبية للشهرة هي «قل ما لا يُسأل عنه، وستُصبح نجمًا ليوم واحد».

الأستاذة سلامة اختارت إعلانًا يجعل عقلنا المنطقي يسقط أرضًا من الضحك أو الصدمة الممزوجة بالدهشة. باختصار: لا نجرؤ على مهاجمتها شخصيًا، فالمرأة لا تُمسّ، كما يُقال، لكن عقلنا المنطقي تمّ ركله بقدم خارج النافذة، ورميًا في سلة المهملات! هل كانت تنتظر تصفيق الجماهير على خيارها الشخصي، كأنها بطلة في فيلم درامي تنتظر الإعجاب الجماعي؟ أم تختبر ردود فعل العالم لتثبت أن الكون يدور حولها وحدها، وأن قرار صيامها (أو عدمه) يُشعل ثورات افتراضية؟ الحقيقة المؤكدة بنسبة 100%: لا أحد يراقب صيامك يا سلامة، تمامًا كما لا أحد يراقب صيامي أو صيام بائع البطاطا في السوق الشعبي، أو صيام وزير من الوزراء، أو صيام سائق الأجرة الذي يفطر على كوب شاي وخبزة. الخصوصية حق مُقدّس، لكن تحويلها إلى عرض علني في الساحة العامة ليس حرية شخصية، بل هو تسويق ذاتي بأسلوب «لا أصوم منذ 2017»، مع إضافة تويست درامي ليبدو كثورة.

الأطرف، أو الأكثر إثارة للضحك السوداوي، أن هذا الإعلان يأتي في زمن يشتكي فيه المواطنون البسطاء من غلاء الأسعار، الذي يجعل توفير وجبة الإفطار لعائلاتهم في هذا الشهر المبارك إنجازا، ومن البطالة التي تقضي على آمال الآلاف من الشباب، والتعليم الذي يُعطي شهادات أكثر من العلم الحقيقي، ومن الصحة التي تنهك جيوب المواطنين. ومع ذلك، وجدت سلامة الفرصة الذهبية لتحويل يومها إلى عنوان رئيسي في الصحف والتايملاين، كأن مشاكلنا اليومية اختفت فجأة أمام هذا الإعلان المتفجر!

هل هذا تحدٍ للتقاليد الراسخة، أم مجرّد حيلة إعلامية للظهور في التايملاين وسرقة الأضواء من القضايا الحقيقية؟ الإجابة: بنسبة 100%، الثانية، مع إمكانية زيادة النسبة إلى 200% إذا أخذنا في الاعتبار السياق. لو أرادت الأستاذة سلامة نقاشًا حقيقيًا عن الصيام، أو الحرية الشخصية، أو حتى صعوبات الالتزام في زمن الاستهلاك، كان يمكنها تقديمه بسياق مدروس، مدعّم بإحصاءات أو قصص شخصية عميقة، لا بضربة مفاجئة تُشعل الإنترنت كقنبلة دخانية. لقد اختارت الطريق السهل: ضجة من لا شيء، مقابل انتباه افتراضي قصير العمر، يتلاشى مع أول إعلان تجاري أو خبر سياسي جديد.

برافو سلامة! نجحتِ في إثارة ضجة من العدم، فأنتِ الآن محاطة بتعليقات حامية، هجوم من المتشدّدين، دفاع من الليبراليين، نقاشات فلسفية عن الحرية، وميمات تُنتشر كالنار في الهشيم… وفي النهاية، نسيان سريع كالبرق. لا أحد سيتذكّر غدًا إذا صُمتِ أم لا، لأن لا أحد سأل أصلاً، ولا أحد يهتمّ بما تفعلين في خصوصيتك بعيدًا عن الكاميرات. الإنترنت عالم لا يرحم: يُشعل النار اليوم، ويُطفئها غدًا، ويبحث عن وقود جديد.

لو تعلّم الجميع، صحفيين ومشاهير ومواطنين عاديين، الاحتفاظ بأسرارهم بعيدًا عن الكاميرات والشاشات، لكان العالم أكثر هدوءًا وأقلّ ضجيجًا. لكن سلامة اختارت طريق الشهرة السريعة، فحصدت ما تستحق: نقرات بالآلاف، ضحكات ساخرة، تعليقات غاضبة، وانتهاء القضية قبل أن تبدأ حقًا. والبطلة الوحيدة تُصدّق أنها غيّرت العالم بجملة واحدة، بينما نحن نعود إلى واقعنا: غلاء، بطالة، وأسئلة حقيقية لا تحتاج إعلانات لتُثير الاهتمام.

ختامًا، في زمن الضجيج الذي يغرقنا جميعًا، أفضل نصيحة هي: إذا كنتِ تريدين الشهرة الدائمة، أعلني شيئًا يُغيّر حياة الناس، لا مجرّد تفصيل شخصي عن صيامك. وإذا كنتِ تريدين السلام النفسي، احتفظي بأسرارك لنفسك، فالإنترنت صديقك الوحيد الذي لن ينام على أخبارك الغريبة، لكنه لن يتذكّرها غدًا أيضًا… ولا بعد غد. ربما يكون الصمت أقوى إعلان في عالم يتكلم كثيرًا ويفعل قليلاً.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة