الهوية المغربية المثقوبة في زمن الحروب

05 مارس 2026 08:31

الهوية المغربية المثقوبة في زمن الحروب

 هوية بريس – إبراهيم الطالب

تتسارع التطورات الخطيرة في الشرق الأوسط، التي أسفرت خلال السنوات العشر الأخيرة عن تغوّل النفوذ الصهيوأمريكي في منطقتنا، المندرجة ضمن ما يسميه الأمريكيون “الشرق الأوسط الكبير”، والذي يُعدّ المغرب جزءا منه. وحسب ما يُصرَّح به اليوم دون مواربة، فإن ما تُسمّيه بعض الأوساط بـ”إسرائيل الكبرى” ستحتل جزءا كبيرا من جغرافية هذا الشرق الأوسط الكبير. تلك أمانيهم، وما يقضي به الله لا رادّ له.

لكن ما يجري اليوم في إيران والخليج وجزء من الشام يمشي حسب الظاهر في هذا النسق، حيث تتشوف دولة الكيان مع أمريكا إلى تقويض النظام الدولي المتهالك، وبناء نظام جديد على أنقاضه تحكم فيه العالم عبر شركاتها العملاقة، التي تخترق يوما بعد يوم الاقتصاد المغربي.

في هذا السياق وهذه الظروف صار الحديث عن الهوية أمرا مهما، ولا يحتمل المزايدات، حيث بات الحفاظ عليها جزءا من مفهوم الأمن القومي للدول، وأصبح موضوعها خلال المرحلة الأخيرة من أهم الموضوعات لدى الدول القوية في العالم، نظرا لتصاعد التهديدات الخارجية التي تواجهها شعوبها، لذا نرى تصاعد النفوذ اليميني المتطرف في دول الاتحاد الأوربي، وفي الهند ودولة الكيان الغاصب اللَّذَين يعرفان تنسيقا وتعاونا ضد المسلمين، كما تصاعدت الدعوة إلى الانتصار لمقومات الهوية في دول مثل روسيا وتركيا، ناهيك عن المتغيرات في أفغانستان وسوريا.

هذا التحول الكبير في أغلب الدول جعل خطاب التنوع الثقافي والانفتاح يخفت إلى درجة أن بعض الدول التي ذكرناها عرفت تراجعا حقوقيا ونزوعا نحو التطرف في التعامل مع قضايا الاختلاف والتعايش والانفتاح باسم حماية هويتها، ومعاناة المهاجرين اليوم في أوروبا جزء من هذا، الأمر الذي انعكس على بريق اليوتوبيا الديمقراطية التي كانت تصدرها أغلب الدول الغربية إلى النخب المتعلمنة في البلدان الإسلامية.

لكننا في المغرب لا نزال نعيش هذه اليوتوبيا السوداء، ومن خلالها تتوسع ثقوب الهوية المغربية التي أحدثها الاحتلال الفرنسي وعمل على توسيعها بعد خروجه العسكري من خلال المنظمات الحقوقية والنسائية المرتبطة بمنظماته التي أحدثها بعد الحرب العالمية الثانية لإدارة ما يسمى بمرحلة ما بعد الاستعمار، ثم اجتمعت بالإثنين ثالثة الأثافي والمتمثلة في التطبيع وظهور المتصهينين العرب دولا ومؤسسات وأشخاصا دون أقنعة.

فما هي أهم الثقوب التي تعاني منها الهوية المغربية، وتُشكل تهديدا حقيقيا للوجود المغربي؟

ومن يعمل على توسيع هذه الثقوب؟

سنقتصر في هذه المقالة على ذكر عاملين أساسيين يعملان الليل مع النهار في إحداث الخلل في جدار الهوية المغربية وهما:

 

أولا: صهينة المكونين العبري المغربي  

لا يجادل أحد أن هناك أقلية يهودية في المغرب تنقسم من حيث أصلها إلى يهود استقروا في المغرب منذ العصور القديمة، ويسمون باليهود المحليين الذين تعرّبوا أو تمغربوا عبر القرون، فأصبحوا يتكلمون العربية الدارجة أو الأمازيغية، ويسمون في بعض المصادر التاريخية باليهود البلديين، وكانت لهم تقاليد دينية مختلفة قليلا عن الوافدين لاحقا من الأندلس، بعد سقوط غرناطة سنة 1492م، حيث هاجر عدد كبير من يهود الأندلس إلى المغرب واستوطنوا مدنا مثل فاس وتطوان وسلا والرباط، ومراكش، ويُعرف هؤلاء باسم: السفارديم، نسبة إلى “سِفَراد” (إسبانيا بالعبرية).

وتقول بعض الدراسات أنه قبل قيام دولة الكيان الغاصب (1948م)، كان عدد اليهود في المغرب يُقدّر بحوالي: 250.000 يهودي إلى 300.000.

ولا زال عددهم يتناقص بعد موجات الهجرة الكبرى: (1948- 1956) حيث هاجر عدد كبير منهم إلى فلسطين المحتلة وأوروبا، وبين 1956م و1967م كانت الموجة الثانية من الهجرة، واستمرت بعد الاستقلال خصوصا بعد حرب 1967م، وتسارعت الهجرة بشكل كبير وبحلول أواخر الستينيات ولم يبقَ في المغرب سوى حوالي 50.000 إلى 60.000 يهودي تقريبا. ثم استمرت الهجرة خلال السبعينيات والثمانينيات ليصبح عدد اليهود المقيمين فعليا في المغرب قبل دستور 2011 يُقدّر بين 2000 و3000 شخص تقريبا وأكبر تجمع لهم في مدينة الدار البيضاء.

ولا شك أن اليهود المغاربة من الذين غادروا المغرب سواء طوعا أم أولئك الذين أجبروا على الهجرة تحت ضغوط الإرهاب الصهيوني قد مات أغلبهم، أما الجيل الجديد من أولادهم وأحفادهم فقد تمت صهينتهم منذ ولدوا تحت حكم الصهاينة، فهم يدينون بالولاء لدولتهم وقومهم وهويتهم، ولا يربطهم بالمغرب ولا بهويته شيء سوى ذكريات آبائهم وأمهاتهم.

واليوم هناك إرادة صهيونية تضغط من أجل أن يتم استقبال أبناء هؤلاء وأحفادهم، في عملية من أخطر ما يمكن أن يهدد الهوية المغربية، تروم إعادة نشر الآلاف من اليهود الصهاينة في المغرب، واستنباتهم بإعطائهم الجنسية المغربية، وفينا سماعون لهم ومشاركون لهم في المال والمعتقد المتصهين. فهل يمنع من يهمهم مصلحة البلاد حدوث ذلك؟

ويزيد من خطر إعادة نشر المكون العبري المتصهين كون هذا الأخير له أجندة اقتصادية سياسية لا تخرج عن سياسة الكيان في إرساء الشرق الأوسط الكبير، الذي تنوي أن تحكمه الصهيونية من خلال إسرائيل الكبرى، فهل نستسلم حتى يهيمن هذا المكون العبري المتصهين باسم التعايش على تاريخ المغرب وجغرافيته وثقافته واقتصاده.

فقبيل ترسيم المكون العبري في دستور 2011 وبعده، كان هناك اهتمام زائد مثير للجدل باليهود المغاربة، لكن بعد ركوب المغرب لقطار التطبيع مع الكيان الغاصب، صارت هناك حملة ممنهجة دائمة، ومحمومة دائبة في كل الاتجاهات من أجل إعادة بناء التاريخ والذاكرة اليهودية في المغرب.

فليس من الطبيعي أن يصير كل شيء في المغرب خادما لليهود، ليس كأهل ذمة معلوم ما لهم وما عليهم، بل كمواطنين يتساوون مع المسلمين في كل شيء، وهذه قضية أخرى من قضايا الهوية التي حدثت بعد سقوط الدولة السلطانية التي كانت تحكم بالإسلام، فهيمنت الدولة الحديثة التي بناها الفرنسيون برؤيتهم وفلسفتهم وقوانينهم، التي تجعل الجنسية هي الرابطة بين المواطنين، وهذا يجعل من اليهودي المغربي أقرب إلى المسلم المغربي من المسلم الجزائري أو المصري أو البنغالي.

بل حتى البحوث العلمية في الميدان الجامعي أصبحت الموضة فيها تميل نحو خدمة هذا المكون ومحاباته، فكثرت البحوث والدراسات في تاريخ اليهود المغاربة التي تلمعهم وتساهم في صناعة الجهل بهم، حيث تغفل الأدوار الخطيرة والمتآمرة على المسلمين التي قاموا بها في المغرب خلال القرون الأخيرة لصالح الاحتلال.

 

ثانيا: صهينة المكون الأمازيغي

لقد بات باديا للمتابع العادي أن هناك اشتغالا محموما من طرف سدنة الصهيونية على إلحاق المكون الأمازيغي بالنزعة المتصهينة، واستخدام أتباعه في عمليات توسيع ثقوب الهوية المغربية الإسلامية، حتى يسهل توطين الصهاينة العائدين من فلسطين المحتلة في بلاد المغرب، في الأقاليم الأمازيغية، فأصبحنا نرى علاقات وطيدة بين وجوه تتمسح بالدفاع عن الأمازيغية تربطهم بالمؤسسات والنخب العسكرية والسياسية في الكيان الصهيوني، وبعض هؤلاء المتصهينين لم يعد يستحيي من تلميع صورة القتلة بل يجعل قصة الكيان مثله الأعلى.

والعجيب هو أن الأمازيغ والعرب المغاربة يستحيل الفصل بينهما لانصهار المكونين من الناحية الإثنية وتوحدهما من الناحية العقدية، لكن غلاة الأمازيغ المتصهينين أبوا إلا استكمال المشروع الفرنسي في تفرقة المغاربة، وزادوا أن دمغوه بالطابع الصهيوني، وكل الشواهد والدراسات والمؤسسات والكتب والأرشيفات تدل على أن الفرنسيين استهدفوا اللحمة المغربية، بمشروعهم حتى ينتقلوا من عقد الحماية الذي بني على مفهوم الإصلاحات -والذي كان يقيد الأيدي الفرنسية في المغرب-، إلى ممارسة نظام الحكم المباشر الذي يعد خرقا لنصوص عقد الحماية المتعارف عليه عالميا آنذاك.

وتنفيذا لمخططها في تمزيق النسيج المجتمعي قصد الهيمنة على المغرب دولة وشعبا قامت فرنسا بإصدار ظهير 11 شتنبر 1914م الذي فرق المغاربة ونص على أن البربر يتحاكمون إلى العرف، خلافا للواقع والتاريخ، في محاولة لإنشاء سردية كولونيالية، تشبه تماما السردية الصهيونية في فلسطين، ثم تطور هذا المشروع بعد سنوات من العمل والتفكيك والتفتيت إلى تفريق عملي بين العرب والبربر، وذلك بإصدار ظهير 16 ماي 1930م، والذي سمي اختصار بالظهير البربري.

وقد عارض هذا الظهير علماء سوس وكل أمازيغ المغرب ورأوا فيه محاولة لإخراج المناطق الأمازيغية من تحت حكم الشريعة، وإدخالها تحت سلطة الاحتلال وفصلها عن الإسلام في أفق تنصيرها، وقد كان صدور الظهير المذكور سببا مهما في انطلاق الحركة الوطنية وانتقالها إلى مرحلة التنسيق والتنظيم والتوسع، والتفصيل في هذا يطول وله متخصصون ينظر ما كتبوه وأعلنوه من حقائق خطيرة تهدد مستقبل المغرب.

والشاهد هو التحسيس بخطورة اشتغال الصهيونية على الملف الأمازيغي لتهيئة البلاد والعباد ليكونا مجالا لفوضى خلاقة تشبه ما نشروه في العراق، بحيث يصبح المغاربة منقسمين إلى فريقين عدوين لبعضهما وعلى استعداد للقتال بينهما.

والعجيب أن غلاة الأمازيغ يجعلون تحقيق مطالبهم يقتضي نبذ الإسلام، ويمعنون في نشر الكراهية للعربية والعرب بين الأمازيغ، فلن تكون أمازيغيا عندهم إذا كنت تحب العرب أو تدافع عن الإسلام، لهذا فهم يعتبرون علماء سوس وروادهم من الوطنيين الأمازيغ مستلبين وطدوا نفوذ العرب والمسلمين الغزاة في بلادهم وخذلوا قومهم. لهذا لا يحفلون بما تركوه من تراث وكتب وآثار ومدارس قرآنية وغيرها من الأدلة المادية التي تدل على أن الأمازيغ قد تشكلت هويتهم داخل الإسلام فصاروا هم والعرب عنصرا واحدا لا يقبل التفريق.

وفضلا عن غلاة الأمازيغية هناك فريق متصهين آخر أخذ أعضاؤه العهد على أنفسهم أن يحاربوا القرآن واللغة العربية والعلم الشرعي والتاريخ الإسلامي والبخاري عاملين يوميا على توسيع ثقوب الهوية المغربية لتدخل معها عناصر الصهيونية إلى بلاد المغرب، ويعتمد هؤلاء في طروحاتهم وما ينتجونه على الكذب والتزوير واختلاق الروايات وبتر النصوص ولي أعناقها لخدمة مشروعهم في حرب الهوية المغربية الأصيلة.

وبالإضافة إلى العنصرين السابقين هناك أطراف أخرى تستهدف الهوية المغربية نذكر منها حزب فرنسا الذي يفرض على المغاربة كل ما هو فرنسي، ويخرِّج من مدارس بعثته الثقافية جيوشا المغاربة من الفرنكوفونيين، لا صلة لهم بالمغرب سوى أرقام بطائق التعريف الوطنية، وهؤلاء يعملون يوميا في المجال الإداري والثقافي والجمعوي، ومنهم الوزراء والمديرون ولهم مشاريع مؤثرة تضر بالهوية المغربية، وتهدد الأمن القومي المغربي، إذ لا خير فيمن يزدري هويته ويرى لغة المحتل وثقافته أفضل من لغة أمته وثقافتها.

ومن هؤلاء نبيل عيوش وأمثاله في الفن والذي يستحوذ على مال المغاربة المرصود للثقافة على صعيد الدراما، لينتج أفلاما تهدد الهوية وتعمل على حرب الدين وشعائره، ويتساءل البعض هل لأصل أمه اليهودي صلة بكراهيته للإسلام، ومصدرا لقوته وحصوله على الامتياز الدائم لدى المركز السنيمائي والقناة الثانية الفرنكوفونية.

إن المغرب يعيش اليوم تحديا كبيرا في خياراته السياسية واصطفافاته الدولية، التي اختارها لاستقبال النظام الدولي الجديد، هذا النظام الذي يبنى على أنقاض النظام الدولي الحالي الآيل للسقوط، وحتى لا يتم ابتلاعه من طرف الدول الكبرى التوسعية التي قرر الاصطفاف معها، يلزم المغرب القيام بعملية كبرى لترميم نفسه، حكومة وشعبا ومؤسسات، الأمر الذي يقتضي ممن يشخصون مصلحة النظام محاربة الفساد بأنواعه، والنزوع نحو إعطاء الأولوية لكل ما يقوي الهوية المغربية الإسلامية التي بنت الإنسان المغربي الذي حكم إسبانيا والبرتغال يوما ما، وهذا يقتضي أيضا الحد من التغلغل الصهيوني في كل مناحي الحياة في المغرب.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة