باحثون وجامعيون ومفكرون يناقشون القرآن والعمران

01 يونيو 2026 19:00

هوية بريس – متابعة

التقرير الختامي العام لأشغال المؤتمر العلمي الدولي الثاني
موضوع المؤتمر: القرآن وتنمية العمران البشري تأصيلاً وتنزيلاً
من إعداد الأستاذة المتدربة: مروى كمراني

أولاً: الجلسة الافتتاحية والوعاء التأطيري للمؤتمر

شهدت رحاب قاعة المؤتمرات، يوم السبت 23 ماي 2026، انطلاق فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الثاني الذي ينظمه مركز القرويين للدراسات والبحوث في موضوع بالغ الأهمية والعمق المعرفي وهو: “القرآن وتنمية العمران البشري -تأصيلاً وتنزيلاً-“. وقد تميز هذا المحفل العلمي الرفيع بحضور وازن لنخبة من العلماء، والأساتذة الباحثين، والمفكرين من داخل المملكة وخارجها، إلى جانب ثلة من الطلبة والأطر الفكرية، تطلعاً لصياغة رؤية حضارية تستمد من النص القرآني قيم البناء والنماء العمراني البشري.

وقد استهلت الجلسة الافتتاحية أشغالها في أجواء روحانية مهيبة، بـتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، شفت القلوب وأصغت لها المسامع بخشوع تام. تلا ذلك مباشرة وقوف الحاضرين في أداء جماعي ومفعم بالوطنية لـالنشيد الوطني المغربي، لتُعلن بذلك الانطلاقة الرسمية لأعمال المؤتمر.

شهدت هذه الجلسة إلقاء كلمات ترحيبية وتوجيهية هامة، رسمت معالم المؤتمر وأهدافه العلمية، وجاءت على النحو التالي:
كلمة السيد رئيس مركز القرويين للدراسات والبحوث (الدكتور أوهنا):

افتتح رئيس المركز كلمته بترحيب حار بالضيوف والمشاركين، معرباً عن اعتزاز المركز بتنظيم النسخة الثانية من هذا المؤتمر الدولي. وأكد في كلمته على مركزية القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية وبناء حضاري، مشيراً إلى أن موضوع “تنمية العمران البشري” في ظلال الوحي يبتغي تقديم إجابات معرفية وقيمية للأزمات الحضارية المعاصرة، والانتقال بالمفاهيم القرآنية من دائرة التأصيل النظري إلى آفاق التنزيل الإجرائي والواقعي.

كلمة السيد ممثل اللجنة المنظمة للمؤتمر (الأستاذ عبد المجيد عباسي):

تلاها إلقاء كلمة اللجنة المنظمة، والتي بسط من خلالها المتدخل الجوانب التنظيمية والعلمية التي سبقت هذا الملتقى الدولي. ووجّه الشكر الجزيل لكل الطاقات والشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذا الحدث، موضحاً أن المؤتمر استقبل مشاركات علمية رصينة خضعت للتحكيم الدقيق، بهدف الخروج بتوصيات عملية تسهم في تفعيل قيم العمران القرآني في واقع الأمة البشري والاجتماعي.

ثانياً: أشغال الجلسة العلمية الأولى

1. المداخلة الأولى: القرآن الكريم وتنمية العمران البشري التربوي والتعليمي.. تأصيل واستشراف

افتتح رئيس الجلسة (المسير) أعمال الجلسة العلمية الأولى بكلمة ترحيبية جامعة رحّب فيها بكافة العلماء والمفكرين والباحثين الحاضرين، منوهاً بالحركية الفكرية والأنشطة المتميزة التي يبصم عليها مركز القرويين للدراسات والبحوث في الساحة المعرفية. وأشاد المسير بالوعي الأكاديمي المتنامي لدى الباحثين اليوم الذين استشعروا دقة المرحلة التاريخية، وتجندوا لتدارس ومناقشة موضوع محوري يقع في صلب الوجود الحضاري للأمة.

وفي هذا السياق التأطيري، قدّم رئيس الجلسة الورقة التعريفية للمحاضر الأول، الأستاذ الباحث عبد الله بوغوثة (من المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين)، باسطاً موضوعه الموسوم بـالقرآن الكريم وتنمية العمران البشري التربوي والتعليمي بين آفاق التأصيل وأبعاد الاستشراف.

استهل الباحث عرضه الأكاديمي بتشخيص الداء الحضاري المعاصر الذي يتسم بتحولات عالمية متسارعة وطفرات مادية وعولمية جارفة، أحدثت خللاً بنيوياً وفجوة عميقة بين التقدم التقني والبناء القيمي للإنسان. ومن هذه الزاوية، تبرز شمولية هذا البحث وأهميته الاستراتيجية في تقديم مقاربة قرآنية نسقية تروم الإجابة عن أزمات المنظومة الراهنة.

وفي مساق التأصيل المعرفي، غاص المتدخل في تفكيك المنطق التأسيسي للاستخلاف البشري، مستنداً إلى البيان الإلهي في سورة هود: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}؛ مؤكداً أن الاستعمار القرآني هنا هو في جوهره عمران معنوي وروحي، قوامه الأول إصلاح النفس وتربيتها على قيم التوحيد، وقسّم أبعاد هذه الآية ومقتضياتها إلى ثلاثة مستويات تحكم الذات البشرية: وعي الإنسان بنشأته الأرضية الحتمية، استشعاره للتكليف الإلهي بالتغيير والإصلاح، والحفاظ على ارتباطه الوظيفي الدائم بالخالق سبحانه وتعالى.

ثم عرج الباحث على تشخيص الخلل الحاصل في المنظومات التعليمية المعاصرة، حاصراً إياها في ثلاثة مظاهر مقلقة: معضلة تجزئة المعرفة المعاصرة، ظاهرة تسليع التعليم التي حوّلت المؤسسات إلى مجرد مصانع لإنتاج طاقات بشرية تلبي احتياجات السوق، وأخيراً أزمة الهوية والتيهان الوجودي الحاد نتيجة غياب الأجوبة الشافية عن الأسئلة المصيرية الكبرى. وأمام هذا التشخيص، بسط البديل القرآني الحاسم القائم على ثلاثية بناء الإنسان (تزكية النفس، بناء العقل، والاضطلاع بالعمل الصالح)، رابطاً إياها بمنهجية الوسطية والشهود الحضاري مصداقاً لقوله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. وختم الباحث مستعرضاً واجهات التجديد التربوي، داعياً إلى نقل دور المعلم إلى قائد بيداغوجي، والتحول في مجال التقويم من المعايير الكمية إلى “التقويم العمراني والقيمي” الذي يقيس أثر المتعلم ونفعيته المجتمعية.

2. المداخلة الثانية: القرآن الكريم والأسس الأخلاقية للعمران

عقب الفراغ من بسط المداخلة الأولى، قدّم المسير المحاضر الثاني للجلسة، الدكتور سعد الدين العثماني، مرحباً به ومستعرضاً قيمته الفكرية والأكاديمية، ليفسح له المجال لإلقاء مداخلته الموسومة بـالقرآن الكريم والأسس الأخلاقية للعمران.

استهل الدكتور سعد الدين العثماني عرضه برصد دقيق للأزمات البنيوية العميقة التي يشهدها النموذج التنموي المعاصر، واضعاً فرضيته الحاسمة بأن القرآن الكريم لا ينظر إلى الأخلاق باعتبارها عنصراً تابعاً أو ترفياً، بل يرفعها لتكون جوهراً مؤسساً ومحركاً رئيساً للعمران، واصفاً السعي العمراني بأنه موطن للابتلاء الإلهي. وفِي مساق قراءته النقدية، تفاعل المحاضر مع النقد الأخلاقي للحضارة الغربية، مستحضراً أدبيات ومراجع فكرية رفيعة مثل كتاب “الحداثة السائلة” لزيجمونتباومان، وكتاب “تاريخ الكذب” لجاك ديريدا، وكتاب “العمل الفلسفي” ليورغنهابرماس، وكتاب “العقل الأخلاقي العربي” للدكتور محمد عابد الجابري، وقراءات طه عبد الرحمن. واختزل هذا النقد المعاصر في خمسة اختلالات: هيمنة البعد المادي، تصاعد الفردانية الأنانية، شيوع النسبية الأخلاقية المائعة، تحول الاستهلاك إلى غاية، وغياب المعنى الروحي.

ثم انتقل الدكتور العثماني إلى التحديد المفاهيمي للعمران لغةً وسوسيولوجياً عند ابن خلدون، مبيناً بنظرة أصولية فاحصة مستندة إلى الإمام الشاطبي في “الموافقات” أن العمران ينتمي إلى مجال “العادات” التي الأصل فيها الإذن والإباحة، غير أن هذا العمران في الإسلام يتوزع على مستويين متكاملين: مستوى موضوعي مادي وفكري، ومستوى معنوي وقيمي روحي يحميه من الفساد. ولبناء هذا النموذج، استعرض الأسس الأخلاقية القرآنية: قيمة العدل، الأخوة، التكافل، الأمانة، المقصدية، وقيمة القصد والتوازن التي تحظر الإسراف وتحمي البيئة. وختم عرضه بالتأكيد على أن البدائل الأخلاقية القرآنية قادرة اليوم على إنقاذ الإنسان من مأزقه الحضاري.

3. المداخلة الثالثة: القرآن وجماليات العمران البشري.. قراءة في المفاهيم والأسس والأدوار والآثار

رابطاً بين الأبعاد الأخلاقية والأصولية وبين الحاجة لملامسة البُعد الذوقي، قدّم المسير المحاضر الثالث، الأستاذ الباحث محمد الطاهري، ليرسخ أطروحته الموسومة بـالقرآن وجماليات العمران البشري.. قراءة في المفاهيم والأسس والأدوار والآثار.

انطلق الأستاذ محمد الطاهري من أصل كلي مفاده أن النص القرآني جاء مفعماً بالقيم الذوقية والجمالية الحاكمة لحركة الإنسان في الكون، معتمداً على منهجية استقراء النصوص القرآنية والنظر الفاحص في دلالاتها. وفي فضاء التفكيك المفاهيمي، غاص في تدارس كيفية تأسيس القرآن للمقاصد العليا، مؤكداً أن “الجمالية الروحانية” في الإسلام هي المنطلق الذي يضفي على المادة مشروعيتها ويربط قيم الجمال بالقيم الأخلاقية، فلا ينفصل الفن والبناء عن الطهر والنفع العام.

وفصّل الباحث التلازم البنيوي بين الجمال والعمران عبر محاور علمية استعرض فيها قيم “الوسطية والاعتدال” في المشهد العمراني، ورفض الترف الأعمى والتشويه في آن واحد. وربط هذا التوازن بمفهوم “السلطة المتوازنة والراشدة” التي تحمي الفضاء العمراني وتضمن انسجام حركة الإنسان مع سنن الكون. وختم المحاضر عرضه بالوقوف عند “أثر الإحسان” كذروة سنام الجماليات القرآنية، مبرزاً أن تنزيله يؤدي حتماً إلى رقي الأذواق واستقامة السلوك ومتانة البنيان المجتمعي والمادي.

4. المداخلة الرابعة: الوسطية والاعتدال أساساً لتنمية العمران البشري

استمراراً في تدفق الأوراق الفكرية، فُتح المجال للمحاضر الرابع، الأستاذ الباحث حميد عابي، لعرض مداخلته الموسومة بـالوسطية والاعتدال أساساً لتنمية العمران البشري.

أكد المتدخل أن مفهوم الوسطية هو ناظم قيمي وضابط منهجي صارم، وبسط أطروحته عبر محورين؛ أوضح في الأول أن العمران يتشكل من بنيتين متلازمتين: مادية ظاهرة ومعنوية باطنة. وعرج على تدارس ثنائية “الإفراط والتفريط” بوصفها الآفة التي تهدد سلامة أي حراك حضاري، مستحضراً أمثلة ونماذج من تاريخ الفلسفة اليونانية (أفلاطون وأرسطو) في حديثهما عن الفضيلة، ليقارن بينها وبين الشمولية القرآنية للوسطية. كما استدعى الإرث الأصولي للإمام الشاطبي في “الموافقات” حول المقصد الشرعي من وضع الشريعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، مبرزاً أن الأخذ بالوسطية هو المسلك الأعدل لأنه يراعي واقع المكلفين دون مشقة عنيفة ولا انحلال مائع.

وفي المحور الثاني، استعرض “سمات العمران الوسطي” القائم على التوازن بين الحقوق والواجبات، الانسجام مع الفطرة، ومراعاة السنن الكونية في التدرج، مؤكداً أن العودة إلى هذا المنهاج كفيلة بتحقيق الأمن النفسي والاجتماعي، وضمان استدامة التنمية.

5. المداخلة الخامسة: المقاصد القيمية في القرآن الكريم وأثرها في بناء العمران البشري

وصولاً إلى محطة الختام للجلسة الأولى، قدم المسير المحاضرة الأخيرة، الدكتورة والباحثة المقتدرة خديجة المسكي، لتبسط ورقتها الفكرية الموسومة بـالمقاصد القيمية في القرآن الكريم وأثرها في بناء العمران البشري.

استعرضت الباحثة إشكالية دراستها المتجسدة في سؤال: كيف يمكن استخدام المقاصد القيمية القرآنية كآليات موجهة وبانية للعمران؟ وفصّلت في تحديد دلالات القيم ومقاصدها، وعقدت مقارنة تأصيلية دقيقة لتوضيح الفرق بين “القيم” كمعايير سلوكية، وبين “المقاصد القيمية” كغايات عليا وتشريعية تؤطر مسار الأمة.

ومن هذه الشرفة، ولجت إلى رصد ثلاثة مقاصد كبرى تمثل ركائز الهندسة الإنسانية الراشدة: “مقصد التوحيد” الناظم الأساس لشبكة المقاصد والمنطلق الذي يحرر الإنسان من العبودية للمادة، و”مقصد التزكية” باعتباره المقصد التربوي الحاكم الذي يضمن طهارة الباطن البشري ويزرع الوازع الأخلاقي، وأخيراً “مقصد العدل” بوصفه المقصد الاجتماعي والسياسي الضامن لاستقرار البنيان ومنع الظلم والجور. وصاغت الباحثة خلاصة أكدت فيها أن الانطلاق من المقاصد القيمية القرآنية هو
السبيل الوحيد لإعادة الروح لمنظومتنا العمرانية المعاصرة، ليفتح المسير بعدها الباب أمام مناقشة مستفيضة، أعقبتها استراحة شاي وتكريم المحاضرين.

ثالثاً: أشغال الجلسة العلمية الثانية

1. المداخلة الأولى: مشروع القرآن الكريم في التربية والتعليم.. رؤية عمرانية متكاملة لبناء

بثبات إيقاع هذا المحفل العلمي، افتتحت أعمال الجلسة العلمية الثانية المكملة لمناقشات الجلسة الأولى، وتولى تسييرها الأستاذ الفاضل الدكتور عمر جدية، والذي قدم المتداخلة الأولى، الأستاذة الباحثة حسناء ألفاهم، لبسط دراستها الموسومة بمشروع القرآن الكريم في التربية والتعليم.. رؤية عمرانية متكاملة لبناء.

اعتبرت الباحثة أن النص الشريف يحمل في تضاعيفه “مشروعاً حضارياً وتربوياً” متكاملاً، يشمل صناعة الوعي وتوجيه حركة التنمية، وقاربت مفهوم “العمران” بوصفه الثمرة الحتمية للتنزيل الراشد لقيم الوحي، حيث يتداخل التشييد المادي مع النماء الروحي. وركّزت المتدخلة على معالم “البناء المعرفي” في التصور القرآني، مستندةً بنظر أصولي وحديثي إلى طائفة من الأحداث التاريخية والسير النبوية، ومعززةً طرحها بفيض من الأحاديث الشريفة التي توضح كيف ترجم الرعيل الأول توجيهات القرآن إلى واقع تربوي حي بنى شخصيات قيادية انطلاقاً من قيم التوحيد، والتزكية، والاستخلاف.

كما تدارست التلازم البنيوي بين القرآن ومنظومة “القيم”، مبرزة أن القيم القرآنية هي محركات سلوكية كفيلة بنقل المؤسسات التعليمية إلى بيئات عمرانية حية تصنع الإنسان الصالح والمصلح.

2. المداخلة الثانية: المسألة المعرفية في القرآن الكريم ومقاصدها الإنسانية والعمرانية

قدم مسير الجلسة المحاضر الثاني، الأستاذ الباحث محمد المرابط، ليلقي مداخلته الموسومة بـالمسألة المعرفية في القرآن الكريم ومقاصدها الإنسانية والعمرانية.

انطلق الباحث من فحص إشكالية “الاستقلالية المعرفية” ومدى تميز الرؤية القرآنية، وناقش طبيعة المعرفة البشرية بين الفطرية والكسبية، مؤكداً على مفهوم “نسبية المعرفة البشرية” أمام طلاقة العلم الإلهي المحيط. وعرج على “قيمة المعرفة” مستدلاً بالبيان الإلهي: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، والأمر الرباني: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} كأدلة على الاستمرار في الترقي المعرفي المستدام.

وفكك الباحث “حدود ومصادر المعرفة في القرآن الكريم”، مرجعاً إياها إلى ثلاثة روافد: “مصدرية الخبر الصادق” (الوحي)، “مصدرية العقل” كأداة للتدبر والاستنباط، و”مصدرية الحس والحركية” المتمثلة في السمع والبصر والتجربة الميدانية. وجلّى الباحث “المقاصد الإنسانية والعمرانية” حاصراً إياها في “مقصد الاستئناف الحضاري” لتمكين الأمة من بناء نهضة عمرانية تزاوج بين المادة والروح، و”صلاح المجتمع” لإقامة العدل وتحقيق النفع العام، خاتماً بتوصيات تدعو لتحرير المناهج المعاصرة من التبعية.

3. المداخلة الثالثة: الإفادة من المنظور القرآني لـ(العمران التربوي والتعليمي) في مناهج الدراسات الإسلامية

قدّم المسير المحاضر الثالث في هذه الجلسة، الأستاذ الباحث محمد أزهر، ليبسط ورقته الفكرية الموسومة بـالإفادة من المنظور القرآني لـ(العمران التربوي والتعليمي) في مناهج الدراسات الإسلامية.

طرح الباحث سؤالاً تأصيلياً: ماذا نقصد بالعمران؟ ليحدد من خلاله “مفهوم العمران التربوي والتعليمي في المنظور القرآني” باعتباره حزمة القواعد التي تروم صياغة بيئة تعليمية توازن بين تزكية الروح وترقية العقل وتجويد العمل. وغاص الباحث في “البعد الوظيفي” للمنظور القرآني عبر صياغة “فلسفة التوظيف البيداغوجي”، مبيناً كيف يمكن تحويل القيم المقاصدية والجمالية إلى آليات ديدكتيكية حية وموجهة لبناء الدروس وصياغة الكفايات في مادة الدراسات الإسلامية.

واستعرض المتدخل “مجالات التفعيل” الإجرائية من مراجعة البناء المفاهيمي للمقررات، وتطوير الأدوات الديدكتيكية، وصولاً إلى صياغة معايير الكتاب المدرسي ليكون مرآة عاكسة لقيم العمران والصلاح، وصاغ باقة من التوصيات الداعية لإدماج النموذج العمراني القرآني كعمود فقري في هندسة مسالك الدراسات الإسلامية بالجامعات ومؤسسات التعليم الثانوي.

4. المداخلة الرابعة: معالم العمران الاجتماعي والاقتصادي في القرآن الكريم.. أسس قيمية وتشريعية ورؤية تنموية

قدّم المسير المحاضرة الرابعة، الأستاذة الباحثة حنان المطيشي، لتبسط أطروحتها الموسومة بـمعالم العمران الاجتماعي والاقتصادي في القرآن الكريم.. أسس قيمية وتشريعية ورؤية تنموية.

أكدت الباحثة في مقدمة بحثها أن التصور القرآني للعمران الاجتماعي والاقتصادي هو أساس بنيوي لتحقيق التوازن الشامل والاستقرار الحضاري، وقسمت خطة بحثها إلى محورين: المنظومة القيمية والتشريعات العملية. وفي المبحث الأول، غاصت في جلاء “العمران الاجتماعي”، مستعرضةً قيم المودة والتعايش وحفظ الحقوق، ومبينةً أن استقرار الأسرة وتماسك الجماعة هما الوقود الحقيقي لعجلة التنمية.

وفي المبحث الثاني المتعلق بـ”العمران الاقتصادي”، أبرزت الرؤية التوازنية الفذة للقرآن في تدبير المال؛ حيث وضعت قيمة “العدل” كمرتكز يُبنى عليه الإنتاج والتوزيع ومكافحة الاحتكار، واستعرضت الصرامة القرآنية في تحريم الظلم والاستغلال بشتى صورهما (كالربا)، داعيةً لتفعيل أدوات “التكافل الاجتماعي” والتضامني (كالزكاة والأوقاف) انطلاقاً من قيم “المسؤولية” المشتركة والمحاسبة الاستخلافية لخادمة الصالح العام.

5. المداخلة الخامسة والأخيرة: القرآن والعمران السياسي.. أسس ومعالم بناء الشرعية السياسية في مرحلة البعثة والخلافة الراشدة

وصولاً إلى مسك الختام لأعمال العروض العلمية، قدّم المسير المحاضر الخامس والأخير، الأستاذ الباحث محمد النجدي، ليفسح له المجال لبسط مداخلته الموسومة بـالقرآن والعمران السياسي.. أسس ومعالم بناء الشرعية السياسية في مرحلة البعثة والخلافة الراشدة.

بيّن الدكتور محمد النجدي المفهوم الكلي لـ”العمران السياسي”، مؤكداً أن الاستخلاف في الأرض لا يستقيم دون سلطة سياسية راشدة تحرس الدين وتدير الدنيا وفق ميزان الحق والعدل. وتتبعت خطة بحثه التطور التاريخي عبر مطلبين؛ غاص في الأول في واجهة “العهد النبوي ومرحلة البعثة”، مستعرضاً محطة الهجرة وصياغة “وثيقة المدينة” بوصفها الدستور الأول الذي نقل التجمع البشري من سلطة القبيلة والعصبية إلى فضاء العمران السياسي القائم على المواطنة والتعاقد.

وانتقل في المطلب الثاني إلى “مرحلة الخلافة الراشدة”، موضحاً أن التجربة الراشدة مثلت التطبيق البشري الأسمى لمعالم العمران السياسي القرآني، وحصر هذه المعالم في ثلاثة أسس كبرى: “قيمة الشورى” كآلية تضمن مشاركة الأمة في صنع القرار، “مفهوم البيعة” باعتباره عقداً سياسياً واجتماعياً حراً يحدد الحقوق والواجبات، و”منظومة العدل والمحاسبة” المقيدة برعاية المصالح العليا. وعقب انتهاء العرض، فتح رئيس الجلسة رسمياً باب المناقشة العامة والمدارسة الختامية لأشغال المؤتمر.

رابعاً: الختام العام والبيان التقييمي لأعمال المؤتمر

شهدت المحطة الختامية للمؤتمر تفاعلاً أكاديمياً راقياً وغزيراً، حيث فُتح المجال أمام السادة الحاضرين من أساتذة وباحثين وطلبة لتقديم مداخلاتهم وتعقيباتهم. وقد تميزت هذه الفترة بطرح طائفة من الأسئلة الدقيقة، والإضافات العلمية الوازنة، والتعقيبات الرفيعة التي عمقت النقاش حول الأوراق المستعرضة وأضفت غنىً معرفياً كبيراً على توصيات المؤتمر.

وتتويجاً لهذا المحفل العلمي المبارك والناجح بكافة المقاييس، تم الانتقال إلى الفعاليات البروتوكولية والختامية المتمثلة في:

1-التقاط صور جماعية تذكارية:توثق هذا الحدث الدولي الرفيع، وتجمع ثلة من العلماء، والمحاضرين، واللجنة المنظمة، والضيوف في مشهد يجسد لُحمة الجسد الأكاديمي والتعاون العلمي المشترك.

2- توزيع الشواهد التقديرية:تنظيم حفل متميز لتقديم شواهد تقديرية ومشاركة لكافة الأساتذة المحاضرين وأعضاء اللجنة المنظمة، اعترافاً بقيمتهم الفكرية وبصمتهم المتميزة في إنجاح كافة أشغال وجلسات المؤتمر، ليتفرق الجميع بعد ذلك في أجواء ملؤها البهجة، والاعتزاز، والتبادل الأكاديمي الرفيع.

حرر برحاب قاعة المؤتمرات، بتاريخ: السبت 23 ماي 2026م.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
23°
الخميس
23°
الجمعة
24°
السبت
23°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة