تركوا الدين… وأصبحوا عبيده

تركوا الدين… وأصبحوا عبيده
هوية بريس – د. عبدالاله الرضواني
دعنا نكسر المجاملة تمامًا: هناك فئة لا دينية لا علاقة لها بالبحث ولا بالعقل ولا بالتحرر… بل تعيش حالة إدمان مرضي على الدين الذي تزعم أنها غادرته. نعم، إدمان. تدخل إلى حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي فتجد نفس المشهد اليومي المثير للشفقة: منشور عن القرآن، فيديو عن حديث، سلسلة تغريدات عن شبهة تم اجترارها آلاف المرات، نقاشات لا تنتهي حول تفاصيل فقهية لا يملك حتى طالب علم مبتدئ أن يصبر عليها.
في المشهد الثقافي الراهن، يكثر الحديث عن التحرر من الدين بوصفه علامة على الوعي، وكأن مجرد مفارقة المرجعية الدينية يضع صاحبه تلقائيًا في صف العقلانية والتفكير النقدي. غير أن الملاحظة الدقيقة تكشف أحيانًا مفارقة لافتة: فبعض من يرفعون هذا الشعار لا يبدو أنهم غادروا الدين فعلًا، بقدر ما غادروا موقع الالتزام، ثم ظلوا يدورون في فلكه بوصفه الخصم المركزي في حياتهم الفكرية واليومية.
ذلك أن الإنسان الذي تجاوز فكرة ما تجاوزًا حقيقيًا لا يظل أسيرها في خطابه وانشغاله وسجاله. أما أن يتحول الدين إلى الموضوع شبه الوحيد الذي تُبنى حوله البثوث المباشرة، والمنشورات، والمقاطع، والتعليقات، والاعتراضات، فذلك لا يدل بالضرورة على تحرر بقدر ما يكشف عن نوع من التعلّق العكسي؛ أي أن الشيء الذي يُزعم الخروج منه يظل حاضرًا بوصفه المرجع الذي تُقاس عليه المواقف وتُستمد منه الهوية المضادة.
إن في هذا السلوك ما يستحق التأمل. فبدل أن ينصرف الجهد إلى بناء معرفة مستقلة، أو إنتاج رؤية فلسفية، أو الاشتغال على أسئلة الإنسان والوجود والعمران والمعنى، نرى انشغالًا شبه دائم بإعادة تدوير الشبهات نفسها، والعودة إلى النقاشات الأكثر استهلاكًا حول النصوص والتأويلات والجزئيات. وهنا يكمن الخلل: فالعقل النقدي لا يعيش على النفي وحده، ولا يكتفي بتقويض ما يرفضه، بل ينهض أولًا على بناء بديل معرفي وأخلاقي ورؤيوي.
من هنا يمكن القول إن بعض الخطابات التي تتزين بشعار التحرر ليست، في العمق، إلا شكلًا آخر من الارتهان. فهي لا تتجاوز الدين إلى أفق أوسع، بل تبقيه في مركز المشهد، ولكن بصفته مادة للهدم المستمر لا مجالًا للفهم أو الحوار. وهكذا يتحول الاعتراض من ممارسة معرفية إلى هوية مغلقة، ويتحول النقد من أداة لفتح الأسئلة إلى وسيلة لإدامة الخصومة.
والأخطر أن هذا النمط من الخطاب يمنح صاحبه وهم التفوق. فكلما اشتد الهجوم، ظن أنه أكثر جرأة؛ وكلما زادت السخرية، توهم أنه أعمق تفكيرًا؛ وكلما ارتفع الصوت، تخيل أنه أقرب إلى الحقيقة. لكن الحقيقة أن الضجيج لا يصنع وعيًا، وأن كثافة الاعتراض لا تعني بالضرورة قوة الحجة، كما أن التمرد على المقدس لا يكفي وحده لتأسيس فكر ناضج.
إن النقد الجاد لا يكتفي بتكرار الأسئلة، بل يحسن ترتيبها. ولا يكتفي بإعلان الشك، بل يبحث عن شروط المعرفة. ولا يكتفي بفضح العجز في خطاب خصمه، بل يلتزم هو نفسه بمعايير الصرامة والاتساق. أما حين يصبح الدين هو القضية الوحيدة التي تُستهلك فيها الطاقة الفكرية، فإن ما يبدو تحررًا قد لا يكون سوى عجز عن الانفكاك من الجاذبية القديمة، وإن كان في صورة معارضة لها.
لذلك، فإن من يظن أنه انتصر على الدين لمجرد أنه يهاجمه يوميًا، ربما لم يغادره أصلًا، بل ما يزال محتجزًا داخله بصورة معكوسة. فالموقف الحر لا يعرّف نفسه عبر العداء الدائم، بل عبر القدرة على تجاوز الموضوع، أو على الأقل وضعه في حجمه الطبيعي داخل تصور أوسع للإنسان والعالم.
ليست القضية أن يختلف الإنسان مع الدين أو أن يراجعه أو أن يرفض بعض تأويلاته؛ فذلك كله يدخل في نطاق الجدل الفكري المشروع. لكن القضية الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى مركز وجودي دائم، وحين يصبح الدين، بالرغم من كل الشعارات، هو ما يزال يحدد الإيقاع الداخلي لصاحبه. عندها فقط نفهم أن بعض من أعلنوا مغادرته لم يخرجوا منه إلا إلى شكله الآخر: الأسر به، لا التحرر منه.
وفي النهاية، دعنا نضع المرآة أمام الحقيقة التي يهرب منها الكثيرون: أنت لا تقضي كل هذا الوقت في مهاجمة الدين لأنك تجاوزته، بل لأنك لم تستطع تجاوزه. الدين بالنسبة لك لم يعد إيمانًا، لكنه أيضًا لم يصبح ماضيًا.
هو حالة عالقة، جرح لم يلتئم، سؤال لم تُجب عنه. فقررت أن تحوله إلى ضجيج يومي حتى لا تسمع صوتك الداخلي. ولهذا، كلما صرخت أكثر أنك تحررت، كان ذلك دليلًا أوضح على أنك ما زلت مربوطًا. وكلما سخرت أكثر، كان ذلك اعترافًا غير مباشر بأن الموضوع أكبر منك.
الحقيقة القاسية: الإنسان الحر لا يقضي عمره في الهروب من فكرة، والأكثر قسوة: أن تعيش حياتك كلها تحارب شيئًا هو في الواقع الذي يحددك.



