جدل الحداثة والمحافظة في تعديل مدونة الأسرة

08 مارس 2024 08:05
الجهل فنون حزب علماني يقترح عدة للرجال

هوية بريس – بلال التليدي

لم يتوقع الكثيرون أن يتفجر النقاش داخل الهيئة التي كلفها الملك بالإشراف على إعداد مدونة أسرة جديدة على غرار المدونة التي تم إقرارها منذ عشرين سنة (2004) فالقريب من التصور أن يبقى الجدال محصورا في مجاله السياسي والمدني، أي بين الإسلاميين والحداثيين، أما أن يمتد إلى الهيئات الموكل لها بنص التعليمات الملكية أن تؤطر النقاش، وتديره، وتخلص إلى مدونة أسرة جديدة، فهو مما لم يدخل في دائرة التوقع، والبعض كان يدخله لدائرة الاستحالة، لسبب بسيط لأنه قد يؤشر على خلاف حاد بين جهات داخل الدولة لا تحمل ضرورة نفس المقاربة، وتسعى إلى جر البلاد لوجهة نظرها الخاصة.

ما الذي حدث إذن حتى خرج عضو المجلس العلمي الأعلى، العلامة إدريس خليفة للإعلان عن موقف حاد، أوضح فيه أن مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مخالفة للشريعة، وتبعه في ذلك الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فشن حربا ضد مقترحات هذا المجلس، وهدد بتنظيم مسيرة مليونية في خروج المدونة الجديدة عن أحكام الشريعة الإسلامية؟

التفاصيل المرتبطة بهذا الملف، تقول بأن المشكلة لم تكن في الهيئة التي عينها الملك، والتي تضم مسؤولي السلطة القضائية، إضافة إلى حضور مؤسستين شريكتين هما المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس العلمي الأعلى، فالمشكلة حصلت داخل هيئة شريكة (المجلس الوطني لحقوق الإنسان) وليس داخل الهيئة المكلفة بإدارة الحوار. بيان ذلك أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أصدر مذكرة تتضمن مقترحاته، دون أن يفتح الاستشارة الداخلية حولها، بل ودون أن يعلن عن مضامينها، وهو ما دفع بعض مكونات المجلس، وبشكل خاص، المجلس العلمي الأعلى الممثل بالعلامة إدريس خليفة، للخروج للعلن، وانتقاد المذكرة من جهتين: جهة عدم طرحها للتداول الداخلي، وهو الذي يملك العضوية التي تؤهله لمناقشة المذكرة والمشاركة في إقرارها أو تعديلها أو حتى رفضها. وجهة مخالفتها للشريعة الإسلامية، فكان خروجه من باب التبرؤ من وثيقة، كان يفترض، بالاعتبارات الدستورية والتنظيمية، ألا تنسب للمجلس، دون أن يبصم عليها المجلس العلمي الأعلى بصفته عضوا بوظيفة محددة داخل هذا المجلس.

هذا الجدل، لم يبق حبيس هذه الهيئة، بل صارت له تداعيات خارجها، إذ تحول الصراع إلى الأحزاب السياسية، وذلك في شكل مبادرة مشتركة بين الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية (صف حداثي) وفي دينامية قوية وهجوم حاد من قبل إسلاميي العدالة والتنمية ضد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بل وضد حزب التقدم والاشتراكية الحليف السياسي السابق.

المنطق يفترض أن يحجم المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن تقديم أي مذكرة في الموضوع، فهو مكون أساسي في اللجنة المكلفة بإدارة الحوار وترصيد مخرجاته وفقا للمرجعية والمنهجية التي قررها الملك، فالكثيرون انتقدوا على السيدة أمينة بوعياش، رئيسة المجلس أن تحمل قبعتين، قبعة الفاعل المدني الضاغط، والفاعل المسؤول عن إدارة الحوار وتوجيه مخرجاته. وكان المنطق أيضا يفترض إن كان هذا المجلس بالفعل يريد أن ينضج رأيا في الموضوع أن يشمل جميع مكوناته بالاستشارة، ويعمق التداول بالشكل الذي تعبر فيه المذكرة عن رأي مؤسسة دستورية، والحال، أن الطريقة التي خرجت بها مذكرة المجلس، توحي بوجود اختراق معين، أو للدقة، جهة تريد أن تجعل من مؤسسة دستورية ورقة ما لدعم مواقف خاصة ليست بالضرورة محل إجماع مجتمعي.

التحليل الدقيق للديناميات التي تفاعلت هذه الأيام، يؤشر بأن الحراك الجاري بين الفاعلين السياسيين، لا يعبر في الجوهر سوى على القشرة التي تبدو على السطح، أما الجوهر، فأمر أعمق منه، وهو بالمناسبة ليس شيئا جديدا، بل كان له نظير في السابق، فالخلاف الذي تعكسه مكونات المجتمع، ليس هو ما يفسر ما حصل، بل العكس تماما، فخلاف البنيات المؤسسية هو الذي انعكس على الواجهة المدنية والسياسية، أي أن الخلاف الذي يوجد اليوم على مستوى الإرادات المؤثرة في البنيات المؤسسية، هو الذي يحرك الديناميات السياسية، ويجعلها تأخذ أحيانا طابعا حادا.

يؤكد ذلك أن ممثلي السلطة القضائية المعروفين بتمثيل الدولة في حيادها وفي الصفة التحكيمية لممثلها الأسمى، قاموا بزيارة إلى المجلس العلمي الأعلى قصد التهدئة، وعبر السيد محمد عبد النباوي منسق الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في تصريح دال عن هذا القصد حين قال بأن المهمة التي تقوم بها الهيئة «مؤطرة بالمرجعيات التي تضمنتها الرسالة الملكية السامية، والتي دعت إلى عدم تحليل حرام، ولا تحريم حلال».

وسائل الإعلام سلطت الضوء على تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، واعتبروا أنه يحاول أن يعيد التاريخ مرة أخرى، ويبني مجده السياسي بالاتكاء على قضية الأسرة والدفاع عن أحكام الشريعة، تماما كما فعل حزبه في السابق عندما واجه الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي تبنتها حكومة عبد الرحمان اليوسفي وحرك مسيرة مليونية في الدار البيضاء سنة 2000، شارك فيها علماء من المؤسسة الدينية، وانتهى الأمر إلى تشكيل الملك للجنة إعداد مدونة الأسرة بالتنصيص على ضرورة عدم مخالفة الشريعة الإسلامية. لكن في الواقع، يصعب أن نتصور من حزب سياسي، لا يزال يحاول الخروج من أزمته، أن يبلغ به التقدير السياسي للتهديد في هذه الظروف الحساسية بتنظيم مسيرة مليونية، فالظن الغالب، أن أقصى ما فعله القائمون على هذا الحزب، أنهم شغلوا ذكاءهم السياسي، أو ربما وصلتهم معطيات دقيقة، تعكس توتر البنية المؤسسية بهذا الخصوص، ووجود إرادات داخل الدولة، تسعى إلى فرض وجهة نظر معينة، في مقابل إرادات أخرى تريد الالتزام بالحرف بتوجيهات الملك.

لقد أشرنا سابقا إلى أن ما حدث ليس طارئا، وأن له نظيرا سابقا في التجربة السياسية، فالصراع الذي فجر مسيرتين شعبيتين في كل من الرباط (مسيرة الحداثيين) والدار البيضاء (مسيرة الإسلاميين ومؤسسات الجبهة الدينية) سنة 2000، لم تكن وزارة الأوقاف بعيدة فيه عن الموضوع، فقد كان وزير الأوقاف الأسبق، الراحل العلوي المدغري، بعلاقاته الوطيدة مع الإسلاميين، يقود المعركة من داخل المؤسسات، لحسم الصراع لجهة الانسجام مع الهوية الدينية للدولة.

الفارق اليوم، أن هناك ذكاء في إدارة الصراع من الإرادتين اللتين تتعايشان (تتصارعان) داخل بنية الدولة، فالذين يريدون من المدونة أن تقترب أكثر من الخط الحداثي، جعلوا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورقتهم الرابحة، ومن الامتدادات السياسية والمدنية مجرد واجهة للدعم، والذين يريدون أن تبقى المدونة مؤطرة بالمرجعية الإسلامية، أبعدوا مؤسسة المجلس الأعلى العلمي عن واجهة الصراع، وكان التحرك بصفة عضوية، بحيث كانت بؤرة الصراع هي المجلس الوطني، لا الهيئة. بطبيعة الحال، فإن الإسلاميين، ومؤسسات الجبهة الدينية، مهيأة بشكل عفوي لدعم هذه المعركة، والذهاب بها إلى أبعد حدود.

في المحصلة، لقد قام الوسط المؤسسي، أي الذين يمثلون حياد الدولة، ويحرصون أن يبرزوا الصفة التحكيمية لممثلها الأسمى، بالتركيب اللازم، أي بالطمأنة وإيجاد الصيغة التي تحسم الصراع داخل المؤسسات، تماما كما كان الأمر في تجربة مدونة الأسرة التي تم إقرارها سنة 2004.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M