جدل حول منصة “المسطرة الغيابية” ومحامي يحذر من المساس بقرينة البراءة

هوية بريس-متابعات
أثار إعلان وزارة العدل عن إطلاق منصة إلكترونية خاصة بالمسطرة الغيابية في القضايا الجنائية موجة من الجدل في الأوساط القانونية والحقوقية، وسط تحذيرات من احتمال تعارض هذا الإجراء مع عدد من المبادئ الدستورية الأساسية، وعلى رأسها قرينة البراءة واستقلال السلطة القضائية.
وتنظم المسطرة الغيابية في القضايا الجنائية مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، حيث يتم اللجوء إليها في قضايا الجنايات عندما يتعذر إلقاء القبض على المتهمين أو يرفضون الاستجابة للاستدعاءات القضائية. وتصدر غرف الجنايات أمرا بإجراء هذه المسطرة، قبل أن تتولى النيابة العامة تنفيذ الإجراءات المرتبطة بها بواسطة الشرطة القضائية.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة العدل عن اعتماد منصة رقمية لنشر إعلانات المسطرة الغيابية، تطبيقا لمقتضيات المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تنص على نشر إعلان لمدة 15 يوما يتضمن هوية المتهم، ومحل سكناه الأخير، والتهم المنسوبة إليه، وأوصافه الشخصية، مع إمكانية نشر صورته ورقم بطاقة تعريفه الوطنية.
غير أن هذا الإجراء أثار انتقادات حادة لدى عدد من المحامين والحقوقيين، من بينهم الأستاذ رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، الذي اعتبر أن نشر هذه المعطيات الشخصية على منصة مفتوحة للعموم قد يشكل مساسا واضحا بقرينة البراءة التي يكفلها الدستور.
وأشار أيت بلعربي في منشور له، إلى أن الفصل 119 من دستور 2011 ينص بشكل صريح على أن كل مشتبه فيه أو متهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وهو المبدأ الذي كرسته كذلك المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية.
ويرى المتحدث أن نشر اسم المتهم وهويته وصورته والتهم الموجهة إليه أمام العموم قد يؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة، خاصة في الحالات التي تنتهي بصدور أحكام بالبراءة، مؤكدا أن الضرر المعنوي الذي قد يلحق بالأشخاص وعائلاتهم ومحيطهم المهني قد يكون بالغ التأثير.
كما أثار المحامي نفسه إشكالا آخر يتعلق بشروط اللجوء إلى المسطرة الغيابية، موضحا أن الممارسة العملية، حسب تعبيره، تشهد أحيانا عدم احترام بعض الشروط المسطرية، وعلى رأسها التأكد من توصل المتهم بالاستدعاء القضائي بشكل قانوني، إذ غالبا ما يتم الاكتفاء بالإشارة إلى تخلفه عن الحضور دون التحقق من توصله الفعلي.
وفي جانب آخر من الانتقادات، اعتبر أيت بلعربي أن تولي وزارة العدل تدبير المنصة الرقمية ونشر المعطيات المرتبطة بملفات جنائية لا تزال معروضة أمام القضاء قد يطرح تساؤلات حول مبدأ فصل السلط واستقلال السلطة القضائية، خاصة وأن المتهم، بعد إحالته على المحكمة، يصبح خاضعا حصريا لسلطة القضاء.
وفي هذا السياق، استحضر المتحدث قرارا حديثا للمحكمة الدستورية صدر سنة 2025 بشأن بعض مقتضيات قانون المسطرة المدنية، والذي اعتبر أن تدبير النظام المعلوماتي المتعلق بتوزيع القضايا القضائية من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالعدل يمس بمبدأ استقلال السلطة القضائية، معتبرا أن العمل القضائي يجب أن يظل في نطاق اختصاص هذه السلطة وحدها.
ويرى عدد من المتتبعين أن إطلاق المنصة الرقمية يندرج في إطار توجه الدولة نحو رقمنة الإدارة القضائية وتحديثها، غير أن هذا التوجه يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وضمان التوازن بين متطلبات الفعالية القضائية واحترام الحقوق الدستورية للأفراد.



