جمع التبرعات للإمام بالمسجد.. أما آن الأوان للوزارة أن تحمي كرامة أئمتها؟!

جمع التبرعات للإمام بالمسجد.. أما آن الأوان للوزارة أن تحمي كرامة أئمتها؟!
هوية بريس – متابعات
مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتكرر في عدد من مساجد المملكة مشاهد تكاد تصبح مألوفة لكنها تثير في المقابل كثيرا من الأسئلة. فخلال ليالي التراويح، وخاصة في منتصف الشهر أو ليلة القدر، يقف الإمام أو من ينوب عنه أمام المصلين لطلب تبرعات وإعانات لفائدة المشفعين.
وقد يختار بعض المتدخلين لغة مهذبة تحفظ ماء وجه الإمام، فيصف هذا الطلب بكونه ليس صدقة وإنما هو تشجيع وإعانة للقيمين على شؤون المسجد، غير أن أصل المسألة تبقى هي نفسها، إمام المسجد يضطر لطلب المال من المصلين.
هذا المشهد الذي يتكرر كل رمضان لا يمر دون أن يترك أثرا في وجدان عدد من المتابعين، لأنه يطرح سؤالا يتجاوز حدود التبرعات الموسمية ليصل إلى جوهر مكانة الإمام في المجتمع، فبالله عليكم كيف يمكن لرجل يقف يوميا أمام الناس لقيادتهم في الصلاة وتعليمهم أمور دينهم والإجابة عن أسئلتهم أن يجد نفسه مضطرا إلى طلب الإعانات من نفس المصلين الذين يؤمهم؟
إن الإمام في الوعي الإسلامي ليس مجرد موظف يؤدي خدمة عادية، بل هو حامل لرسالة روحية وتربوية. فهو الذي يؤم الناس في صلاتهم، ويقودهم في أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادتين، ويضطلع بدور تربوي واجتماعي داخل الحي أو القرية أو الدوار او الدشر، من الوعظ والإرشاد إلى حل النزاعات الاجتماعية أحيانا.
لكن هذه المكانة الرمزية الكبيرة لا تنعكس دائما في الواقع الاجتماعي والاقتصادي. فكثير من الأئمة يعيشون أوضاعا معيشية صعبة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وغلاء الأسعار، من المواد الغذائية إلى المحروقات والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، تبدو المفارقة واضحة، فالإمام الحلقة الأضعف في المنظومة الدينية قد يجد نفسه في موقع هش اقتصاديا، ما يدفع بعض المساجد إلى اللجوء إلى جمع التبرعات لدعم المشفعين أو حتى الإمام نفسه.
اللافت في هذه الظاهرة التي تتكرر سنويا ليس فقط بعدها المالي، بل أيضا بعدها الرمزي. فطلب التبرعات داخل المسجد، خصوصا عندما يرتبط بمن يؤم الناس في الصلاة، قد يضع الإمام في موقف محرج أمام المصلين، ويخلق انطباعا بأن المؤسسة الدينية نفسها تعاني من ضعف في آليات الرعاية الاجتماعية لمن يخدمونها.
ويرى متابعون أن حماية كرامة الإمام ينبغي أن تكون جزءا من سياسة عمومية واضحة، تقوم على تمكين الأئمة من شروط عيش محترمة تحفظ لهم الاستقرار الاجتماعي وتجنبهم الوقوع في مواقف محرجة أمام المصلين.
فالمسجد في النهاية ليس مجرد فضاء للصلاة، بل مؤسسة رمزية تمثل الدين في المجتمع، وأي صورة مرتبطة بالإمام تنعكس بالضرورة على صورة هذه المؤسسة.
وفي قلب هذا النقاش يبرز سؤال جوهري حول الدور الذي يمكن أن تضطلع به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في تحسين الوضع الاجتماعي للأئمة والخطباء، إذ يقترح عدد من المهتمين بالشأن الديني جملة من الإجراءات العملية الكفيلة بمعالجة هذا الإشكال، من بينها الرفع من أجور الأئمة والخطباء بما يواكب متطلبات الحياة، وإقرار منح موسمية خاصة بشهر رمضان بالنظر إلى الجهد الإضافي الذي يبذلونه خلاله، وتوفير دعم اجتماعي أكثر انتظاما للأسر المرتبطة بالقيمين الدينيين، فضلا عن الاهتمام بالمظهر اللائق للإمام عبر تخصيص دعم خاص باللباس التقليدي المغربي الذي ينسجم مع مكانته داخل المسجد؛ وهي إجراءات لا ترتبط، في نظر أصحاب هذا الطرح، بالجانب المادي فحسب، بل تتصل أساسا بحفظ كرامة الإمام وصون مكانته الاعتبارية داخل المجتمع.
في ختام؛ يلاحظ متابعون أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كثيرا ما تفاجئ الرأي العام بقرارات تتعلق بالضبط والرقابة والمتابعة، سواء داخل المساجد أو حتى في ما يصدر عن بعض القيمين الدينيين خارجها وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. غير أن هذه الصرامة الإدارية لا يقابلها في نظر كثيرين نفس القدر من الانتباه للمشاكل الحقيقية التي يواجهها الأئمة في حياتهم اليومية، خاصة ما يرتبط بالضغوط المادية والاجتماعية التي تثقل كاهلهم. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو قدر من التوازن في السياسات المعتمدة من لدن الوزارة، بحيث لا يقتصر دورها على المراقبة والضبط فقط، بل يمتد أيضا إلى إرساء نموذج مؤسساتي يُظهر الثقة في أئمتها ويمنحهم ما يستحقونه من دعم ورعاية، على غرار ما تقوم به باقي المؤسسات الوطنية مع موظفيها، حفاظا على كرامتهم وتعزيزا لصورة المؤسسة الدينية داخل الوطن وخارجه.



