جهود الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة

جهود الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة (الجزء الثالث)
من التشخيص إلى التفكير في الرؤية المستقبلية
هوية بريس – شريف السليماني
في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثتُ عن حجم الجهود التي تبذلها الدولة المغربية في مجال تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم، مع الإشارة إلى أن النتائج المحققة على أرض الواقع لا تبدو – في نظري – متناسبة دائماً مع حجم الإمكانيات والموارد المرصودة لهذا المشروع.
ثم حاولتُ في الجزء الثاني الوقوف عند بعض الأسباب والمعيقات التي قد تفسر هذا الواقع، سواء ما تعلق بطبيعة العلاقة المعقدة والمتنوعة التي تربط مغاربة العالم بالدولة المغربية، أو بخصوصية السياق الأوروبي، أو بطريقة تنزيل بعض السياسات والمقاربات داخل بيئة تختلف كثيراً عن السياق المغربي.
أما في هذا الجزء الثالث، فسأحاول الانتقال من مرحلة التشخيص إلى التفكير في بعض الرؤى والملاحظات التي قد تساهم في تطوير هذا العمل، وجعله أكثر قدرة على فهم الواقع والتفاعل مع التحولات التي تعرفها الأجيال الجديدة من مغاربة العالم.
ومن أولى الملاحظات التي تبدو لي مهمة في هذا الباب، ضرورة الاستماع أكثر إلى الأصوات الصادقة التي تتحدث من واقع التجربة الميدانية، لا فقط إلى الأصوات التي تميل دائماً إلى التزكية والتصفيق والموافقة المسبقة على كل ما يأتي من المغرب، أحياناً حفاظاً على مصالح أو مواقع أو علاقات معينة.
فمثل هذا النوع من المواقف – مهما كانت دوافعه – لا يساعد على التطوير الحقيقي، لأن النصح لا يقوم على المجاملة، بل على الصدق والأمانة والقدرة على قول ما يُعتقد أنه صواب، حتى حين يكون مخالفاً لما يرغب الطرف الآخر في سماعه.
وفي المقابل، توجد أيضاً فئة أخرى تتخذ موقفاً معاكساً تماماً، فترفض كل ما يأتي من المغرب بشكل مسبق، دون محاولة فهمه أو دراسته أو التمييز بين ما قد يكون إيجابياً وما قد يحتاج فعلاً إلى مراجعة أو نقد.
وبين هذين الطرفين، تضيع أحياناً المساحة التي يحتاجها أي مشروع ناجح: مساحة التقييم الهادئ والموضوعي، المبني على الصراحة والإنصاف، بعيداً عن التطبيل المطلق أو الرفض المطلق.
ومن جهة أخرى، يبدو لي أن من الضروري الانتباه إلى الفرق الكبير بين العمل داخل المغرب والعمل داخل السياق الأوروبي.
فداخل المغرب، تملك الدولة – بحكم طبيعة النظام والقوانين والمؤسسات – سلطة واضحة في تنظيم الحقل الديني، وتمتلك القدرة على توحيد الخطبة مثلا، وفرض مناهج معينة، واختيار الأئمة، وتنزيل رؤية محددة داخل المجال الديني.
أما في أوروبا، فالوضع مختلف تماماً.
فنحن هنا أمام مساجد مستقلة، وأئمة، ولجان، وجمهور، يملكون – قانونياً وواقعياً – كامل الحرية في قبول أي مشروع أو رفضه، سواء جاء من المغرب أو من غيره.
ولذلك، فإن فلسفة العلاقة نفسها تحتاج إلى شيء من المراجعة.
فهناك فرق كبير بين أن أشتغل داخل واقع أملك فيه سلطة التنظيم والفرض، وبين واقع لا أملك فيه في النهاية إلا قوة الإقناع.
وفي نظري، فإن هذا من أهم الفروق التي ينبغي الانتباه إليها.
ففي المغرب، قد تستطيع الدولة تنزيل اختياراتها الدينية بحكم ما تملكه من صلاحيات وسلطة تنظيمية، سواء اقتنع الجميع بذلك أو لم يقتنعوا بشكل كامل.
أما هنا، فلا يمكن عملياً فرض أي نموذج على الناس، لأن طبيعة السياق الأوروبي لا تسمح بذلك، كما أن هناك حساسية سياسية وثقافية تجاه كل ما قد يُفهم على أنه محاولة للتأثير الخارجي أو فرض الوصاية.
ولذلك، فإن نجاح أي مشروع مرتبط بالشأن الديني لمغاربة العالم لن يتحقق من خلال منطق “الفرض”، بل من خلال منطق “الإقناع والمرافقة”.
أي أن السؤال لم يعد: كيف ننقل النموذج؟
بل: كيف نقنع الناس بأن هذا النموذج مفيد ومتوازن وقادر على مساعدتهم في واقعهم اليومي؟
ومن الملاحظات التي تبدو لي جديرة بالتفكير أيضاً، الطريقة التي يتم بها أحياناً الحديث عن “نموذج التدين المغربي” وثوابته المرجعية، وكأن المطلوب هو نقلها إلى الخارج بشكل كامل وحرفي، باعتبارها منظومة واحدة غير قابلة للنقاش ولا للتجزيء أو لإعادة النظر في طريقة تنزيلها داخل السياقات المختلفة.
فيُتحدث مثلاً عن إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني الجنيدي، باعتبارها مكونات متكاملة للنموذج المغربي.
وهو أمر مفهوم داخل السياق المغربي الذي تشكلت فيه هذه المرجعية تاريخياً وسياسياً واجتماعياً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن تنزيل كل هذه المكونات بالطريقة نفسها داخل السياق الأوروبي؟
وهل الواقع الأوروبي – بطبيعته القانونية والسياسية والثقافية – يسمح بالتعامل مع هذه المرجعيات كما هو الحال داخل المغرب؟
ولذلك، ربما نحتاج إلى نقاش أكثر هدوءاً وواقعية حول ما يمكن تنزيله كما هو، وما يحتاج إلى تكييف أو إعادة صياغة أو تقديم بطريقة مختلفة، حتى يبقى الخطاب مفهوماً وقابلاً للتفاعل داخل هذا السياق الجديد.
ومن الملاحظات أيضاً، وجود نوع من الرهان الكبير أحياناً على بعض الأشخاص الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أصحاب نفوذ أو تأثير داخل بعض المساجد أو الأوساط الدينية، فيُعتمد عليهم في نشر النموذج أو الدفاع عنه داخل محيطهم.
ولا شك أن بناء العلاقات مع الفاعلين أمر طبيعي ومفهوم، لكن الإشكال – في تقديري – يظهر حين يتحول الرهان الأساسي من بناء القناعة المجتمعية والمؤسساتية الواسعة إلى التعويل المفرط على بعض الأشخاص بعينهم.
لأن التأثير الحقيقي والمستدام لا يُبنى فقط عبر الأشخاص، بل عبر بناء اقتناع جماعي حقيقي بالمشروع نفسه.
لكن ربما يبقى السؤال الأعمق من كل ذلك: ما طبيعة هذا المشروع نفسه؟ وما الغاية النهائية منه؟
فداخل المغرب، قد تبدو الصورة أكثر بساطة، لأن المجتمع يتحرك – في عمومه – داخل مرجعية دينية تكاد تكون موحدة، وهو ما يساعد على نوع من الانسجام والاستقرار.
لكن في أوروبا، نحن أمام فضاء إسلامي متنوع جداً، تعيش فيه جاليات متعددة المشارب والخلفيات والاختيارات.
وفي المسجد الواحد أحياناً، قد تجد المغربي والتركي والباكستاني والعربي والإفريقي والمسلم الجديد، ولكل واحد خلفيته وطريقته في فهم الدين والتعامل معه.
بل إن الشاب المغربي اليوم قد يتلقى تأثيره الديني من إمام تركي، أو داعية خليجي، أو مؤثر بريطاني، أو منصة عالمية على الإنترنت، أكثر مما يتلقاه أحياناً من المرجعية المغربية التقليدية.
ومن هنا، يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن الحفاظ على خصوصية المرجعية المغربية، دون أن يتحول ذلك إلى نوع من العزل أو التقوقع أو خلق حساسيات داخل الفضاء الإسلامي الأوسع؟
وكيف يمكن تقديم هذا النموذج باعتباره مساهمة في الاستقرار والتوازن، لا باعتباره مشروعاً منفصلاً عن بقية المسلمين أو متصادماً معهم؟
كما أن هناك سؤالاً آخر يبدو لي أكثر عمقاً: هل النموذج الديني المغربي يُنظر إليه باعتباره وسيلة… أم غاية في حد ذاته؟
بمعنى: هل الغاية الأساسية هي مساعدة المسلم من أصل مغربي على الحفاظ على دينه، وتقوية صلته بالله، ومساعدته على الاستقرار والتوازن داخل واقع معقد؟
أم أن الغاية تصبح أحياناً هي مجرد الحفاظ الدائم على الارتباط بالنموذج المغربي نفسه، باعتباره هدفاً قائماً بذاته؟
لأن هناك فرقاً بين الأمرين.
فإذا كان المقصود هو خدمة الإنسان، وتقوية تدينه، ومساعدته على الثبات، فإن المرجعية تصبح وسيلة من الوسائل التي تحقق هذا الهدف.
أما إذا تحولت المرجعية نفسها إلى غاية نهائية، فقد نحتاج حينها إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة وحدودها وأفقها المستقبلي.
ولا شك أن الارتباط الديني الذي ربط الجاليات المسلمة – ومنها الجالية المغربية – ببلدانها الأصلية، كان له ما يبرره، خاصة في بدايات الهجرة.
ففي تلك المرحلة، كانت الجاليات ما تزال ضعيفة ومحدودة الإمكانيات، ولم تكن قد استطاعت بعدُ بناء مؤسسات دينية مستقرة أو تكوين مرجعيات محلية قادرة على التأطير.
كما أن الدول الأوروبية نفسها – بحكم طبيعتها العلمانية – لم تكن مهيأة للتعامل مع الشأن الديني الإسلامي، ولم تكن تنظر دائماً بثقة إلى الدين أو إلى حضور المسلمين داخل المجال العام.
ولذلك، كان من الطبيعي أن تلجأ الجاليات إلى بلدانها الأصلية طلباً للدعم والتأطير والمساعدة، سواء في بناء المساجد، أو إرسال الأئمة، أو توفير المرجعية الدينية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل هذا الارتباط ينبغي أن يبقى بالشكل نفسه إلى ما لا نهاية؟
أم أن تطور الوجود الإسلامي في أوروبا، وظهور أجيال جديدة وُلدت واستقرت هنا، وتكوّن كفاءات علمية ودينية من داخل هذا الواقع نفسه، يفرض التفكير في صيغة جديدة للعلاقة، تقوم على قدر أكبر من الاستقلالية والشراكة والتكيف مع خصوصية السياق المحلي؟
ولا يعني هذا بالضرورة القطيعة أو إلغاء الصلة مع بلدان الأصل، وإنما يتعلق بالتفكير في كيفية الانتقال التدريجي من مرحلة “الحاجة إلى التأطير الخارجي” إلى مرحلة “القدرة على إنتاج جزء من المرجعية من داخل الواقع الأوروبي نفسه”، مع الحفاظ على الروابط العلمية والثقافية والروحية بشكل متوازن.
وقد يكون من الخطإ التعامل مع هذا التطور الطبيعي وكأنه تهديد بالضرورة، لأن من طبيعة أي وجود إنساني مستقر عبر الأجيال أن يسعى – مع الوقت – إلى إنتاج جزء من تصوراته وأدواته ومؤسساته من داخل واقعه الذي يعيش فيه، لا فقط من خارجه.
ولذلك، ربما يكون التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة ليس هو: كيف نمنع هذا التحول؟
بل: كيف نواكبه ونساهم في توجيهه بشكل متوازن، حتى يبقى مرتبطاً بثوابت الإسلام وروحه، وفي الوقت نفسه قادراً على فهم خصوصيات الواقع الأوروبي والتفاعل معها بوعي وحكمة.
ومن هنا أيضاً، يمكن فهم بروز أصوات تتحدث اليوم عن “إسلام أوروبي” أو “إسلام بلجيكي” أو “إسلام هولندي”، أو غير ذلك من التعبيرات المشابهة.
وغالباً لا يقصد أصحاب هذه الطروحات تغيير الإسلام في ثوابته أو أصوله الكبرى، بقدر ما يتحدثون عن نموذج تدين أو طريقة في تنزيل الإسلام داخل السياق الأوروبي، تراعي خصوصية هذه المجتمعات وتحدياتها القانونية والثقافية والاجتماعية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف سيتعامل النموذج المغربي مع مثل هذه التحولات؟
وهل يستطيع أن يتفاعل معها بمرونة، وأن يساهم في هذا النقاش، أم سيظل يتحرك بمنطق الحفاظ على النموذج كما هو دون تطوير أو إعادة نظر في طريقة تنزيله داخل السياقات الجديدة؟
وفي تقديري، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من منطق “المركز يقرر والجالية تتلقى”، إلى منطق الشراكة الحقيقية مع الكفاءات التي نشأت داخل أوروبا نفسها.
لأن هذه الكفاءات – من أئمة وباحثين وفاعلين – هي الأقدر غالباً على فهم لغة الشباب، وطبيعة المدرسة الأوروبية، والتحولات الفكرية والثقافية التي يعيشها المسلمون هنا.
وفي النهاية، يبدو لي أن نجاح أي مشروع مستقبلي مرتبط بالشأن الديني لمغاربة العالم لن يتحقق فقط بكثرة الأنشطة أو المؤسسات أو اللقاءات، بل بقدرته على بناء الثقة، وفهم الواقع، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على الإقناع، والتفاعل بمرونة مع التحولات الجديدة.
وربما يكون أكبر خطإ يمكن أن نقع فيه اليوم، هو التعامل مع تحولات الأجيال الجديدة بالعقلية نفسها التي كانت صالحة قبل أربعين أو خمسين سنة، لأن واقع الهجرة تغيّر، والإنسان تغيّر، وأسئلة الشباب تغيّرت، وبالتالي لا بد أن تتطور المقاربات أيضاً إذا أردنا لهذا العمل أن يستمر ويؤثر في المستقبل.
والله من وراء القصد وهو بهدي السبيل



