خبير اقتصادي: فرصة استراتيجية للمغرب أمام صدمة سوق الأسمدة العالمية

خبير اقتصادي: فرصة استراتيجية للمغرب أمام صدمة سوق الأسمدة العالمية
هوية بريس-متابعات
تسلّط التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط الضوء مجدداً على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ما يتعلق بالمدخلات الزراعية الاستراتيجية. فمع تزايد المخاوف من احتمال اضطراب حركة التجارة البحرية عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والمواد الأولية في العالم، يزداد القلق من تداعيات محتملة على سوق الأسمدة الدولية، وما قد يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء عالمياً.
في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن المغرب قد يجد نفسه أمام فرصة استراتيجية لتعزيز موقعه في الاقتصاد الزراعي العالمي. ويؤكد أن أي اضطراب في صادرات الأسمدة الآزوتية القادمة من دول الخليج، التي تعد من بين أبرز المنتجين العالميين لهذا النوع من الأسمدة، يمكن أن يؤدي إلى صدمة حقيقية في السوق الدولية، نظراً لاعتماد عدد كبير من الدول الزراعية على هذه الإمدادات للحفاظ على مستويات الإنتاج.
وأوضح الفينة في مقال منشور له، أن الأسمدة الآزوتية تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي الحديث، وأن أي نقص في توفرها أو ارتفاع حاد في أسعارها سيضع المزارعين في مختلف مناطق العالم أمام معادلة صعبة، إذ ستزداد تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ. وفي العديد من الدول، خصوصاً تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المدخلات الزراعية، قد يضطر المزارعون إلى تقليص استخدام الأسمدة، الأمر الذي سينعكس مباشرة على مردودية المحاصيل الزراعية، ويؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية.
وسط هذه التحولات، يبرز المغرب كفاعل استراتيجي في منظومة الأسمدة العالمية بفضل احتياطاته الضخمة من الفوسفات، إذ تشير التقديرات إلى أن المملكة تمتلك نحو سبعين في المائة من الاحتياطات العالمية المعروفة من هذه المادة الأساسية في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية. وقد مكّن هذا المورد الطبيعي المغرب من بناء صناعة متقدمة للأسمدة يقودها عملاق الفوسفات المغربي OCP Group، الذي نجح خلال العقود الماضية في تطوير منظومة صناعية متكاملة تمتد من استخراج الفوسفات ومعالجته إلى تصنيع الأسمدة وتسويقها في الأسواق الدولية.
وتشكل المنصات الصناعية الكبرى، وعلى رأسها المجمع الصناعي والمينائي في ميناء الجرف الأصفر، حجر الزاوية في هذه المنظومة، حيث يُعد من بين أكبر موانئ تصدير الأسمدة في العالم، ويوفر بنية لوجستية وصناعية متقدمة تسمح بتلبية الطلب المتزايد في مختلف القارات.
ويشير الفينة إلى أنه في حال حدوث صدمة في سوق الأسمدة العالمية نتيجة اضطراب الإمدادات الآزوتية، فإن الطلب على الأسمدة الأخرى، خصوصاً الفوسفاتية، قد يشهد ارتفاعاً ملحوظاً، باعتبارها عنصراً أساسياً في الحفاظ على التوازن الغذائي للتربة واستدامة الإنتاج الزراعي. ورغم أن الأسمدة الفوسفاتية لا يمكن أن تعوض بشكل مباشر الأسمدة الآزوتية، فإنها تبقى جزءاً أساسياً من المنظومة الغذائية للتربة، ما يجعل دورها محورياً في الحد من آثار أي اضطراب كبير في السوق العالمية.
ويرى الخبير الاقتصادي أن المغرب يمتلك في هذا السياق فرصة لتعزيز صادراته من الأسمدة الفوسفاتية والمساهمة في تخفيف حدة التقلبات التي قد تشهدها الأسواق الزراعية العالمية. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الدور، بحسب الفينة، لا تقتصر على البعد التجاري فحسب، بل تمتد إلى البعد الجيو-اقتصادي المرتبط بالأمن الغذائي العالمي.
ففي عالم يتجه نحو مزيد من التنافس على الموارد الحيوية، أصبحت الأسمدة تُصنّف بشكل متزايد ضمن الموارد الاستراتيجية التي تؤثر بشكل مباشر في استقرار الدول وقدرتها على تأمين الغذاء لسكانها. وفي هذا الإطار، يعمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على تطوير شراكات زراعية واسعة، خصوصاً في القارة الإفريقية، من خلال برامج تهدف إلى دعم الإنتاج الزراعي المحلي وتسهيل وصول المزارعين إلى الأسمدة الملائمة لخصائص التربة في مختلف المناطق الزراعية.
ويخلص الفينة إلى أن الفوسفات المغربي قد يتحول خلال السنوات المقبلة من مجرد مورد طبيعي يُصدَّر إلى الخارج إلى ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي العالمي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، يمكن لهذا المورد الاستراتيجي أن يمنح المغرب موقعاً متقدماً في معادلة التوازنات الدولية المرتبطة بالغذاء والزراعة، ويعزز من دوره كفاعل جيو-اقتصادي مؤثر في استقرار الأسواق العالمية خلال العقود القادمة.



