رمضان قد حلّ: فماذا نحن فاعلون؟

رمضان قد حلّ: فماذا نحن فاعلون؟
هوية بريس – كمال الدين رحموني
دار العام بسرعة، وتوالت الأيام بعَجَلَة، وتعاقب الليل والنهار بدقّة ومرّت الساعات وفق مراد مدبّر حكيم. وعَبْرَ الزمن المنقضي رحَل أناس وبَقِيَ آخرون. طوى الثرى أجسادا وأرواحا انتظرت الشهر الفضيل الماضي، فكان شاهدا لبعضها وشاهدا على بعضها: لا ندري أكان السَّعيُ مقبولا أم لا سَعيَ ثَمَّتَ ولا أجر، فعِلمُ ذلك عند ربي في كتاب.
دار العام بسرعة بعد أن أصبح عبادٌ أثرا بعد عين، لا يُطالَبون بعمل ولا بتكليف. أما الأحياء – ونحن منهم- فقد دار علينا العام، وقدّر القدير ألّا نصبح موتى بعدُ، وقد نحيى لنصوم رمضان القريب منا، فكيف حالُنا بين رمضان الماضي والآتي؟ هل خرجنا – أولا- برصيد يُذكر مما مضى، وإن لمَسْنا شيئا من ذلك – وهو قليل- فهل نما وزاد أم تقلّص ونَفَدَ؟ هل شعرنا بمنسوب الإيمان قد ارتفع، أم تدحرج واندثر وكاد يصير صفرا؟
وتلك النفس الآسرة، بعد عام من رمضان: هل لازلنا عبيدا لها أم تحرّرنا منها ولو لساعات وأيام؟ وذلك الغرور الذي غلّف القلوب وصَمَّ الآذان: هل تغلغل فينا وبلغ الذروة، أم تخلّصنا من شيء يسير منه؟ وتلك الأنانية المقيتة التي عشناها خلال عام ونحن الذين كنا نُحدّث الناس – على المنابر ومواقع التواصل عن استثمار رمضان للتخلص منها وتزكية النفس-: هل حقَّقنا ولو نَزرا قليلا منها، أم لازلنا نجسِّدُ سلوك “فرعون”، ونكرّر السلوك نفسه حين نسفّه آراء الآخرين وننظر إليهم من برج عاجيّ مكتوب عليه﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ غافر29 ؟ وكم قابَلَنا الناصحون بالنصيحة: فهل انتصحنا أم لازلنا ندّعي الصواب والحقيقة؟
في رمضان الماضي كنا ندعو الناس إلى استثمار الشهر الفضيل لاقتناص التقوى التي هي من مقاصد الصيام، فهل حصّلنا شيئا منها أم خرجنا منها بخُفَّيْ حُنيْن؟ وفي رمضان الماضي كم دعَوْنا الآخرين إلى الإنفاق من مال الله الذي آتاهم، فهل سارعنا نحن إلى ما دعونا إليه أم رضينا بالشحّ وألقينا له القياد؟ أسئلةٌ تحاصرنا من كل جانب، ولنتخيّلْ لو كنّا في عداد الموتى – كما هو مصير الراحلين خلال عام مضى-بهذا الرصيد البئيس، كيف نكون ونحن مطمورون بين ثنايا قبر يَضيق ويَتّسع بحسب الختام الذي ودّعنا به حياتنا الدنيا! أسئلةٌ لا تروم الإحراج بقدر ما تروم التذكير للنفس أولا، وللأحبة الصادقين ثانيا، وللأصدقاء السابقين الغافلين ثالثا، ولعامة الناس أخيرا. فهل فات الوقت للتوبة والرجوع، أم لازالت الفرصة مواتية مادام النَّفَس يسري، والروح تملأ الجسد! فها هو الداعم الرباني، والسّنَد القرآني، ها هو رمضان قد أطلّ، وها هي أبواب الجنان قد فُتّحت، وها هي أبواب النيران قد غُلِّقت، وهاهي شياطين الإنس والجنّ قد صُفِّدت: فهل نُضيّع الفرصة السانحة، وهل نزهد في الأيام العظيمة، ثم نعود لنقول: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ الأحزاب 66.
ها هو رمضان قد أتى لننفُضَ عن كواهلنا ثِقلَ الغفلات، وسوادَ الخطيئات، ولنتَجَرَّدْ في محاسبة النفس على ما ضيَّعتْ خلال عام، ولنُشَمّرْ عن السواعد ونُعلنْها توبةً من كل ما وقعنا فيه مما لا يُرضي الرحمن، ولنُكثِر من القول:
اللهم بلّغنا رمضان لنعود إليك بعد غربة عام مضى!



