عندما تصبح القَبيلةُ شّمَّاعَةً أو مَعْذِرَةً لِلولاء لها ظالمة أو مظلومة

08 مارس 2026 15:44

هوية بريس – د.ميمون نكاز

عندما تصبح “القَبيلةُ” “شّمَّاعَةً” أو “مَعْذِرَةً” لِلولاء لها “ظالمة” أو “مظلومة”

يقول دريد بن الصمة:

وهل أنا إلا مْن غُزَيَّةَ إنْ غَوَتْ***غَوَيْتُ وإن تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُد

ما أكثر “الدُّرَيْدِيِّينَ” في عوالم السياسة والثقافة والإعلام والدين في عالمنا العربي والإسلامي…عندما تصبح “الدولة القطرية” معيارا قياسيا للقيم في “الهوية والانتماء”، وميزانا فاصلا بين “الحق” و”الباطل” وبين “المنكر” و”المعروف”. كما كانت “القبيلة” معيارا لذلك في “الجاهلية الأولى”، وهذا البيت لدريد بن الصمة شاهد كاشف عن هذا المنزع الذي يجعل من “القبيلة” محددا معياريا لمقتضيات “القيم” و”الحق” و”العدل” و”الصحة” و”الصواب” و”المعقول” و”الولاء” و”البراء”، كذلك الشأن ذاته لمن يجعل من “الدولة” أو “الوطن” معيارا متعاليا ومطلقا لذلك كله، فيضفي عليه “التقديس” و”التنزيه”…

هكذا ينتكس “الدريديون الجدد” في “عوالم السياسة” و”الثقافة” و”الإعلام”، بل في “الدين نفسه” إلى منطق “الجاهلية الأولى” حيث “حاكمية الهويات الضيقة” و”عصبيات العقائد” و”حميات المذاهب”… وأخطر ما في هذه الانتكاسة أن يدلس المتصهينون بيع أنفسهم للكيان الصهيوني ويلبسوا ذلك بدعوى “الوطنية” و”حب الوطن”، يجعلون من دعواهم هذه حجابا ساترا لسوءة موالاتهم للصهاينة في جبروتهم وطغيانهم وفسادهم…

قد علمني القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أن أكون مع الحق حيث هو وأن أدور مع مقتضاه حيث كان ولو على النفس كانت الدائرة:

{یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ ٰ⁠مِینَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَاۤءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَۚ إِن یَكُنۡ غَنِیًّا أَوۡ فَقِیرا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلۡهَوَىٰۤ أَن تَعۡدِلُوا۟ۚ وَإِن تَلۡوُۥۤا۟ أَوۡ تُعۡرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرا﴾ [النساء135]…

{یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ ٰ⁠مِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} [المائدة8]…

﴿وَإِن طَاۤئفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱقۡتَتَلُوا۟ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَاهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِی تَبۡغِی حَتَّىٰ تَفِیۤءَ إِلَىٰۤ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَاۤءَتۡ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوۤا۟ۖ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ﴾ [الحجرات9-10]…، وكما تقاتل “الفئة الباغية” بِـ”حَدِّ السّيْف” فإنها تقاتل قبل ذلك بِـ”حَدِّ الموقِف الشرعي العادل” و”سَيف الحق البَتار الحاسم”…

وفي الحديث الشريف عن معاذ بن جبل: (…أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟

قَالَ: (كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)… في هذا الحديث بعض المقال في سنده، لكني أقطع أنه ليس لأحد “مقالا” يبتغي به التشكيك في “صدقية دلالةِ مَتْنِه”… فشتان بين من يدور مع رحى الإسلام حيث دارت، مع رحى الحق والعدل حيث كانت، وبين من يدور أو يُدَارُ برحى “الحميات” و”الهويات الضيقة” وتجرى به أو يُجَرَّى بِـ”الأحقاد” و”الضغائن” و”الأهواء”… وشتان بين يحركه “حب الوطن” حقيقة في مواقفه ضمن الضوابط الشرعية والرؤية الإنسانية الممتدة، وبين من يُسَعِّرُهُ ويَستنفرُه “بيع النفس” لأعداء الأمة والوطن، بئس الشقاء وبئست التعاسة، وبئست المهانة والمذلة، وعندما يتخذ “الولاء للوطن” مطية ووليجة خفية للولاء لخصوم الأمة والوطن، نكون أمام “طابور نفاقي طوعي أو مسخر” يهدد “أمن الوطن” نفسه، بل يهدد مصالحه الحقة ومستقبله…

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة