كرامة لا تحتاج إلى صراخ

هوية بريس – إبراهيم سهيل
ليس كل من سكت ضعيفًا وليس كل من تجاوز عاجزًا.
فبعض الناس يظنون أن الكرامة تحتاج إلى صوت مرتفع وأن حفظ المكانة يكون بالرد القاسي وأن الإنسان إذا لم ينتقم فقد خسر.
لكنهم لا يعلمون أن هناك قوة أعمق من قوة الرد، وهي قوة الإنسان على أن يملك نفسه حين يكون قادرًا على الرد.
قد تُقال لك كلمة تؤلمك، وقد تُفهم بطريقة تسيء إليك، وقد تجد من يحاول أن يستفزك حتى تنزل إلى مستوى لا يشبهك، وهنا يظهر معدنك الحقيقي.
فليس الاختبار في قدرتك على الكلام، بل في قدرتك على الصمت حين يكون الصمت أرفع.
وليس الاختبار في قدرتك على إيذاء من آذاك، بل في قدرتك على أن تمنع نفسك من أن تصبح نسخة منه.
كظم الغيظ ليس دائمًا دليل ضعف، بل قد يكون دليل قوة لا يملكها إلا من انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره.
فالإنسان الغاضب قد يربح لحظة، لكنه يخسر شيئًا من صفائه إذا جعل غضبه يقوده. أما من يملك نفسه فإنه يخرج من الموقف وقلبه ما زال حرًا لم يصبح أسيرًا للإساءة.
هناك من يتغافل لأنه لا يرى، وهناك من يتغافل لأنه يرى أكثر مما ينبغي لكنه اختار أن يحفظ قلبه من الحقد.
وهناك من يسكت لأنه عاجز، وهناك من يسكت لأنه يعرف أن بعض الردود تقلل من قدر صاحبها قبل أن تؤلم خصمه.
النفوس الكبيرة لا تدخل كل معركة، لأنها تعرف أن بعض الانتصارات خسارة، وأن أعظم ما يملكه الإنسان ليس أن يجعل الآخرين يشعرون بألمه، بل أن يحافظ على سلامه الداخلي رغم ما مر به.
فالشمس لا تنشغل بمن يحاول أن يحجب نورها، ولا تتوقف عند حجر يُرمى نحوها، لأنها تعرف مقامها.
وكذلك الإنسان الذي عرف قيمة نفسه لا يسمح لكل إساءة أن تسحبه إلى مكان لا يليق به.
إن الكرامة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، لأن من يعرف قدر نفسه لا يحتاج أن يثبتها لكل أحد.
وأعظم القوة ليست أن تملك القدرة على الانتقام.
أعظم القوة أن تملكها ثم تختار أن تبقى إنسانًا.
فبعض الانتصارات لا يراها الناس، لكنها تُكتب عند الله وفي أعماق النفس حين يختار الإنسان أخلاقه على غضبه.



