لا يمكن للذكاء الاصطناعي تعويض الفقيه الديني والقانوني

09 مايو 2026 18:29

لا يمكن للذكاء الاصطناعي تعويض الفقيه الديني والقانوني

هوية بريس – ذ. محمد المهدي اقرابش

من المعلوم في وقتنا الراهن أن بعض الكُتَّابِ والأدباء والمفكرين، بل ربما ممن يحسبون على العلماء، يعتمدون أحيانا على الذكاء الاصطناعي في تقديرهم للأمور وتحريرهم للمقالات و النصوص.

و لا يخفى على اللبيب ومن خَبِرَ الأساليب التحليلية معرفةُ أسلوبِ الذكاء الاصطناعي الجاف و الآلي، مهما دارى اللاجئ إليه، و توارى خلف تعبيرات يضيفها، أوأساليب يغيرها، موهما بذلك القارىء و مدلسا عليه.

و إن ربط هذه التقنية، بالذكاء لهو عندي مثير للاستغراب و التساؤل! إذ كيف ننسب الذكاء إلى آلة لا تنتج إلا البضاعةَ التي أُعْطِيَتْهَا. يجمل بالفقيه في الدين والقانون أن يقصدا في الاستعانة بهذه التقنية. و حبذا، لو أدرج العلماء  هذا الاستعمال للتحقيق فيه و تمحيصه، ضمن وسائل الإثبات و قواعد الجرح والتعديل المعروفة عند أرباب الشأن.

فوجئتُ في اجتماع على مستوى مدراء مؤسسة بقول أحدهم للحضور: إنتظروا حتى نسأل و نرى جواب الذكاء الاصطناعي “شات جيبيتي” في هذه المسألة!

فسقط الرجلُ من عيني، وأدركتُ أن المسكوت عنه في دواليب الإدارة و مراكز أخذ القرار هو لجوء الكثيرين إلى هذه التقنية.

و قد انتشرت هذه الأداة في مؤسسات الغرب الرسمية و الغير الرسمية مهددةً وظائف على مستوى كثير من الميادين كالتعليم والسكرتارية والتأليف والتحليل. و إني أقول: لا عيب و لا حرج في أن يلجأ إلى هذه التقنية من أراد ان يدقق في قواعد اللغةِ أو سلامةِ التحرير عند الضرورة القصوى، و على سبيل الاستئناس مع أني أراه دافعا إلى الكسل الفكري و عدم الاجتهاد لحذق المسائلِ و العلوم. و قد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال “ورب حامل فقه ليس بفقيه” رواه أبو داود و و الترمذي و ابن ماجة و أحمد.

قد يكون الذكاء الاصطناعي حاملَ فقهٍ،  و لكنه عاجزٌ حتما عن اعتبار الظروف الخاصة، في كل نازلة فقهية أو قانونية مهما بلغ من الدقة؛ لأن المسألة الإنسانية معقدة و لأن التكليف الشرعي لا يقع على الآلة و إنما يقع على الإنسان.

لا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يعوض العلوم الانسانية و لا العلوم الدينية الاسلامية، لأن الفقهاء قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات.

قد قالها ابن القيم رحمه الله و غيره من علماء الأمة . والقاعدة القانونية الجنائية المعاصرة تأخذ بتكييف الجريمة و  بالظروف المخففة او المشددة و بقاعدة التناسب، عند انزال حكم قضائي في واقعة قانونية.

و إني أقص عليك ايها القارئ الكريم حكاية حكاها لي مسؤول قائم على تسيير مسجد كبير في فرنسا؛ و مفادها أنهم لجؤوا إلى الذكاء الاصطناعي لترجمة خطبة جمعة ألقاها إمامهم، الذي لا يحسن الفرنسية ولا يتكلم بها. فاكتشفتُ و اكتشفوا في الترجمة ما يتصبب له الجبين عرقا! إذ وجدنا فيها عبارات  و أساليب تكفيرية، و كلمات لا تدل على المدلول قطعا. فمثلا في قولنا “محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”، تُرْجِمَتْ عبدُ إلى رقيق esclave بدل serviteur و كريم إلى قديس saint بدل noble و هذا من الغلط الفاحش. كانت بعض ترجماته تقريبية و خاطئة في مواطن عديدة.

حقا، إن الذكاء الاصطناعي هو من نعم الله الميَسِّرةِ لكثير من الأمور، ولكن ينبغي ان نحتاط في أخذنا للمعلومات للمعارف منه.

وجب التحري والتثبت و التريث وسؤال أهل العلم في الأمور الدينية والقانونية، لأن الذكاء الاصطناعي مثله كمثل سكين ينبغي استعماله على الوجه المراد.

قد بلغت هذه التقنية مبلغا كبيرا في الدقة من حيث العمليات الطبية التشخيصية والجراحية، و كذلك في المجال العسكري . أما الفقه والقانون فهيهات أن نستبدل الذكاء الاصطناعي الذي هو أدنى، بالفقهاء والقضاة و الأئمة والقانونيين و المشتغلين بالعلوم الإنسانية الذين هم خير.

لا أدعوا إلى إلغاء استعمال الذكاء الاصطناعي، وإنما أدعوا إلى ترشيد استعماله و جعل الأخلاق موَجِّهَةً له.

إن إعمال القيم و الأخلاق في الذكاء الاصطناعي ضرورةٌ ملحةٌ وإلا اسْتُبْدِلَ الإنسانُ به و صار تابعا له بدل أن يكون متبوعا.

و قد ذكر هذا الأمر دراسات و تحاليل علمية.

من استعمل الذكاء الاصطناعي فليبين ذلك، و لا يدعي نسبةَ ما أفاده به إليه، لأنها أمانة علمية.

و فوق كل ذي علم عليم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
24°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة