لمحة عن المغرب والإسلام المغربي (2/2)

09 أبريل 2026 18:35

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

حوالي القرن 15 أصبح المغرب هدفا للمشاريع الأوربية، وكان البرتغاليون هم من وجهوا الضربات الأولى له عن طريق إنشاء سلسلة من المراكز التجارية على طول الساحل المغربي، وقد عرفت تلك المراكز ازدهارا كبيرا في بعض الأوقات، ولكن انصراف البرتغاليين عن تلك المراكز، بعد غزوهم الهند، جنب هذه البلاد صراعا كبيرا بين العالم المسيحي والإسلام الغربي، فما كاد البرتغاليون يؤسسون المراكز التجارية القليلة التي نعرفها على ساحل المغرب، أزمور ومزكان وآسفي، وسانتا كروز، في موقع مدينة أكادير الحالية، حتى ظهرت المدن الشريفة.

كان الشرفاء حاملي راية التعصب والإحياء الديني، قدِموا منذ زمن بعيد، من جنوب الجزيرة العربية، ولأكثر من نصف قرن، دعموا الصراع ضد المسيحيين في المغرب، عند اندلاع هذا الصراع، كان المسيحيون يتمتعون ببعض الحقوق في المغرب، بل وشغلوا مناصب عامة، لكن عندما أشعل البرتغاليون نار التطرف المغربي بأفعالهم، نشأت حركة رجعية، وتصدر الشرفاء تلك الحركة.

انتصر الإسلام، بفضل تقاعس البرتغاليين إذ لم يبذلوا جهدا، للحفاظ على غزوهم، أما الإسبان، فقد بقوا حتى يومنا هذا محصورين، بل شبه محاصرين، في بضع حصون ساحلية، دون أن يتوسع نفوذهم إلى الداخل ومنذ أن طردوا البرتغاليين من بلادهم، ظل الشرفاء سادة المغرب، وحتى اليوم يحكمها أحفادهم.

حوالي القرن السابع عشر تقريبا، اكتسبت الإمبراطورية الشريفة قدرا من الاستقرار:

كان مولاي إسماعيل الحاكم الذي هيمن على المغرب بشكل كامل، ومنذ عهده، لم تكن سلطة الأشراف فعالة حقا على كامل الإمبراطورية، وإن لم تنازع بشكل جدي.

ومع تزايد ضعفها مقارنة مع أوربا، أجبر المخزن بمعنى الحكومة المغربية على تقديم العديد من التنازلات للقوى العظمى؛ ولكن على الرغم من كل تقلباته وضعفه فإنه بقي متشبثا بصرامة، بتقليد حافظ عليه بدقة، ألا وهو التقليد المناهض للنصارى، وهو مسار لم يتغير عمله، ولو للحظة واحدة، منذ ثلاث مائة عام على الأقل حتى وقت قريب.

منذ عام أو عامين، لم يمنح المسيحيون سوى امتيازات شكلية بحتة، ففي ظل حكم الأشراف، كان ينظر إلى المسيحيين دائما نظرة سلبية للغاية، بينما -كما ذكرت لكم قبل قليل- تمتعوا في عهد السلاطين السابقين ببعض الامتيازات، كانت هناك قوات في خدمة المغرب مؤلفة بالكامل من مسيحيين بقيادة مسيحي، وفي المدن كانت هناك أحياء بأكملها يسكنها المسيحيون، يمارسون التجارة بها بحرية، لدرجة أن العديد منهم مارسوا تجارة، لم يعد من الممكن ممارستها اليوم، وهي تجارة النبيذ.

لذا فإن وضعية المسيحيين في المغرب من بعض النواحي، أدنى مما كانت عليه قبل عهد الشرفاء، ويتجلى التعصب الإسلامي للمخزن، في الأقاليم من خلال القادة، فكل من سافر إلى المغرب، يعلم أن أكبر عقبة واجهها، كانت دائما هي ضغينة القادة وكراهيتهم.

وهكذا عاد المغرب إلى حكومة ذات أغلبية مسلمة تقريبا، بل من المحتمل أن تكون الأكثر إسلامية في العالم على الإطلاق.

إن المغرب وحده، هو الذي يجد فيه المرء مؤسسات إسلامية، نقية أصيلة، مثل نظام الحسبة، فالحسبة توجب على كل مسلم أن “يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر” والمعروف هو ما أباحه الله، والمنكر ما حرمه.

في الدول الإسلامية الأولى كانت مهمة المحتسب، تتحدد في السهر على ضمان ممارسة تطبيق تعاليم الدين الإسلامي بدقة من قبل الجميع، وقمع الانحرافات التي قد تحدث في المجتمع.

في المغرب ما يزال المحتسب موجودا، ولم تتغير وظائفه كثيرا، ما يزال له الحق في دخول منزل من يشرب الخمر، وكسر الإناء الذي يحتوي على الخمر المحرم، وهذا يحدث أحيانا، صحيح أن مسؤولياته قد توسعت بشكل رئيسي فيما يتعلق بالشرطة البلدية، وأصبح ينظر له لحد ما، على أنه نوع من وكيل التجار، ولكنه مع ذلك يحتفظ بصلاحياته القديمة، ويمارسها أحيانا، وواجبه الأساسي دائما، هو ضمان العيش، وفق ما يفرضه الدين الإسلامي من تعاليم.

لقد ظل المغرب أكثر تشددا من أية دولة إسلامية أخرى، في الشؤون الدينية، لذا لا أعتقد أن هناك أية دولة أخرى، يُحظر فيها تفسير القرآن، كما تعلمون، فإن تفسير القرآن علم قائم بذاته، وقد كان موضوعا للعديد من المؤلفات، في المغرب، لا يوجد أساتذة جامعيون، يعنون بتفسير القرآن، ومن بين النصوص الدينية العديدة المخطوطة في فاس، لم يُكتب أي تفسير للقرآن، على الرغم من أن هذه المؤلفات في البلاد الأخرى متألقة بوفرة رتيبة، وتحرص الحكومة بشدة على منع التفسير، وعندما يُهدى تفسير للقرآن لشخصية نافدة، يحدث أحد أمرين: إما أن يرفض الكتاب بازدراء، أو يستقبل بفضول، يدل على أن الناس غير معتادين على رؤيته.

علاوة على ذلك، هناك قلة تنوع في الأعمال الكثيرة التي وقعت في فاس، وعادة ما تكون التوقيعات رديئة ويصعب قراءتها، إذا اطلعت على قائمة هذه النصوص، وهي متاحة بسهولة في المكتبات، ستصدم بفقر البحث العلمي المغربي؛ قواعد اللغة، وقواعد اللغة الشعرية بتعريفاتها التي لا تحصى، وتقنياتها الجافة والمعقدة، ودراسات الفقه الإسلامي، حيث تشغل المسائل غير العملية حيزا كبيرا، وأخيرا، هناك نصوص الأدب الديني الشعبي، وقصص الأولياء، و”الأسطورة الذهبية” الإسلامية، هذا ما يجعل الإنتاج العلمي المغربي الحالي، شيء ما نادر للغاية؛ هذا العلم المتخلف، المقيد بتعصب ضيِّق الأفق، المزروع بشكل أساسي من قبل المور -وهم الطبقة الأكثر تحضرا، وتدينا في المجتمع المغربي-.

في الواقع، ينقسم الشعب المغربي من هذا المنظور بوضوح إلى قسمين: الأول هم المور الذين يطلق عليهم العرب، اسم الحضر (مفرده: حضري) ولا يقرأ هذا المصطلح إلا في المدن؛ أما الثاني، فيشمل جميع سكان البادية سواء كانوا بربرا أو عربا، ويطلق عليهم عموما، اسم البدو (مفرده: بدوي).

الحضريون هم في أكثريتهم منحدرون من قدماء المور المطرودون من إسبانيا، وقد جلبوا معهم الرُّقِيَّ والتهذيب، وحب العلم، ونوعا من العقلية، وشغفا بالموسيقى، وقبل كل شيء مهارات تجارية عظيمة، لسوء الحظ، تقترن هذه الصفات بعيوب، تجعلهم في الواقع مكروهين من البدو، منها أولا؛ قلَّة حسن النية في كثير من الأحيان، وفوق كل ذلك جبن فاحش، جعلهم مثارا للسخرية في أرجاء المغرب، فجبن سكان فاس مادة للعديد من النكات.

ولأن هؤلاء المور يمثلون الطبقة المتعلمة حصرا تقريبا، إذ لا يوجد بينهم إلا الفقهاء والنحويون، ولأنهم يمتلكون كل المعارف الإسلامية، فمن البديهي أن الطبقة الحاكمة في المغرب، تتألف من المور فقط، وأن تقواهم هي التي تضفي على المخزن طابعه المتعصب. ولو تأملنا في هذا الأمر مليا، لوجدنا في التنافس بين هؤلاء المور والبدو، مفتاحا لكثير من الأحداث التاريخية، فكلما دخل بدوي إلى صفوف هؤلاء المور في المخزن، أصبح هدفا لعدائهم، وانتهى بهم الأمر إلى القضاء عليه، هذا ما حدث بالفعل لِلَمْنَبْهي، في عهد عبد العزيز، كان أمِّيا، لكنه كان حازما شجاعا، إلا أنه ما أن ارتقى إلى منصب الوزير، حتى أصبح هدفا لكراهة زملائه، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوطه.

المور لا يسكنون إلا في المدن، وحتى في هذه المدن، يقتصر سكنهم على مدن معينة، أهمها تطوان والرباط وفاس، ولا يقتصر الأمر على اعتزاز المور بهذه المدن القليلة، التي يسكنونها، بل إنهم لا يرغبون في العيش بأي مكان آخر، فلا موري -إلا إذا اضطرته واجباته- سيرضى بالعيش في العرائش أو مزغان، إذ سيشعر بالغربة هناك وكأنه فقد شرفه.

يعتبر المور النخبة الفكرية في المغرب، ويشتهرون بمواهبهم الموسيقية، وجمالهم الأخاذ، حتى أن هناك أساطير وأغان تخلد جمال فاس، وهم يفتخرون بهذه المزايا أيما فخر، يكفي أن تراهم يسيرون في شوارع فاس أو الرباط، واضعين أيديهم على قلوبهم، ينحنون برشاقة لكل من يقابلونه، حاملين سجادات صلاتهم الصغيرة تحت أذرعهم، لتدرك مدى اقتناعهم بتفوقهم على بقية المغاربة.

الكاتب إدمون دوتي (1867-1926)

أما مراكش العاصمة التي تضاهي فاس في أهميتها، فهي ليست مدينة مغاربة بالمعنى المتعارف عليه، بل هي مدينة بربرية في جوهرها، ورغم أن اللغة البربرية لا تُتَحدث فيها إلا نادرا اليوم، إلا أنها كانت لغة مراكش في الماضي، وما تزال آثارها باقية في بعض التعابير، كما في طريقة قول “لا” بـ”أهو” (134).

مراكش مدينة يسكنها الشُّلُوح، أي البربر من جنوب المغرب، والسود، وسكان الصحراء الكبرى، وهي تختلف عن فاس، التي تُعد مركزا لسكان مغاربة راقين، يختلف نسيج المدينتين اختلافا جذريا، ففي فاس، تنتشر أزقة متعرجة، لا حصر لها، تصطف على جانبيها بيوت من طابقين أو ثلاث، أما مراكش فعلى النقيض، فتعطي -في كثير من أجزائها- انطباعا بأنها كَصْر صحراوي فسيح، والنخيل المحيط بالمدينة يكمِّل الوهْم المخادع.

على الرغم من اهتمامهم الدقيق بالنظافة وأدبهم المبالغ فيه، لا يوجد فرق جوهري بين مجتمع مراكش ومجتمع فاس، فكلاهما يعاني من نفس الاستبداد التعسفي للسلطة، ونفس انعدام الأمن على الممتلكات والأفراد، ونفس قصور وسائل الاتصال، ونفس التخلف التجاري، الذي لا يختلف كثيرا عن تجارتنا الحديثة واسعة النطاق مقارنة بالجمهورية.

يراعى الاهتمام بالنظافة بشكل أكبر في فاس منه في مراكش، والفن في تراجع مماثل هناك، أما العلوم فتضم عددا أكبر من الفقهاء والنحويين، لكن جامعة فاس أصبحت هامشية لدرجة أنها لا تشكل ميزة كبيرة على مراكش، يبدو أن الوضع الاجتماعي المغربي كحال المجتمع المغربي مُجمد إلى الأبد، ولا سبيل له للخروج من حالة العصور الوسطى.

لماذا هذا الركود الذي تعانيه الحضارة المغربية؟ (135).

لا أدري إن كان من الظلم القول بأن الإسلام وحده هو السبب، لكنه بلا شك أسهم فيه بشكل كبير، فإسلام المغرب ليس على سبيل المثال، كإسلام مصر، ذلك الإسلام الليبرالي نسبيا، الذي يتبنى العلوم الحديثة ويترجم كتب الفيزياء، كما يترجم رواياتنا العصرية، ويستفيد من اختراعاتنا الصناعية.

إنه الإسلام القديم للمرابطين والطرق الدينية، إنه يثقل كاهل البلاد بأكملها، بسبب تعصبه العقائدي الذي شلَّ العلم، وصير من المستحيل على عالم مثل غاليليو أن يبتكر في المغرب، ومن السهل فهم ذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المسلم يُجبَر على تصديق وقبول مثل هذه المعتقدات غير العلمية، والقائلة بأن الشهب تتشكل من أشعة نارية، تطلقها الملائكة على الشياطين الذين يقتربون من عرش الرحمان، ليستمعوا ما يقال فيه، هذا اعتقاد أذكره لكم، ويمكننا ذكر العديد من المعتقدات الأخرى، لكنني أريد فقط أن أوضح لكم، أنه لا مجال للتكهنات أو التعليقات، عندما يكون المرء محصورا في نصوص ساذجة كهذه، وبين حظر التعليق عليها.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد جفف الإسلام منابع الفن، إذ حرم الموسيقى والرقص، وإذا ما سمح بهذه الفنون بصعوبة، فهي مجرد فنون محتقرة لا تتمتع بذوق رفيع، لكن الإسلام حرم الفنون البصرية تحريما قاطعا، ليس الأمر أن المرء لا يستطيع العثور على عدد اللوحات أو المنحوتات الإسلامية، لكن المؤكد أنه لن يجد أيا منها في المغرب، فالتحريم هنا مطلق.

ولعل هذا الدفاع عن الصور، الذي يبدو لنا اليوم اعتقادا غريبا تماما، له جذور في الاعتقاد البدائي، بأن الصور خطيرة، وعلى أي حال فقد قضى هذا الاعتقاد بشكل جذري على الفنون البصرية في شمال إفريقيا، فما هي المواضيع التي يمكن تمثيلها إن لم يكن مسموحا بتصوير البشر والحيوانات؟

أول ما يعجب به الإنسان، ويحاول إعادة إنتاجه، هو نفسه، وما يحيط به، ومنها الحيوانات التي كانت تعيش بالقرب منه، رسم الناس والحيوان لم يحدث إلا بعد فترة طويلة، بحيث لم يبدأ الإنسان في الإعجاب بالطبيعة وتصوير المناظر الطبيعية، والظواهر الطبيعية إلا في وقت لاحق من العصور الحديثة.

الإسلام يحظر تمثيل الإنسان والحيوان، وبالتالي فهو يخنق الفن في أصوله.

الإسلام من خلال طابعه الإلزامي، لم يسهم في تطوير الأخلاق، فليس على المؤمن أن يسعى في داخله، إلى بلوغ مثاله الأعلى في الخير والأخوة، ولن يكون أقدس الناس وأكملهم، هو من أصغى إلى ضميره، أو من امتثل حرفيا لأوامر الله، كما وردت في القرآن، لأن الطبيعة البشرية لا تستطيع وحدها التمييز بين الخير والشر، كما تقول العقيدة الإسلامية، التي قسمت جميع الأفعال الممكنة إلى خمسة أقسام: الواجب، المستحب، المباح أو المستقل، المكروه، المحرم، بناء على كل لكل فعل من هذه الأقسام الخمسة التي حددها الله، لم يعد الأمر متعلقا بالاستلهام من هذا المصدر المثالي فينا، بل بالخضوع لأمر الله وواجبه: فعلاقة المسلم بربه ليست إلا كعلاقة العبد بسيده.

ومن الطبيعي أن تُرفض كل مبادرة، وكل بدعة، وكل أنواع التقدم، عندما نتحدث لمسلم عن اختراعاتنا الحديثة -السكك الحديدية، والسيارات، والمصاعد، وغيرها- فالمسلم يستمع لنا مبتسما، ثم يجيب: “نعم أنتم أهل الدنيا، أما نحن فأهل الآخرة” ولا ندري حقا ما نقول ردًّا عليه.

ولأن علاقة الإنسان بالله تُصوَّر كعلاقة عبد بسيده،

فإن فضيلة المؤمن الأساسية هي خشية الله، وموقفه المعتاد هو التسليم السلبي.

لكن قلب الإنسان بطبيعته يفيض حبا، بحيث لا يمكن لمثل هذه العقيدة الرهيبة أن تسود في الواقع،

فالإنسان يتوق إلى التواصل مع الإله، ولأن المسافة بين الله والمؤمن شاسعة، فقد سدها الأولياء بالتصوف، والجماهير بتقديس الأولياء، ومن خلال التصوف، يسعى الإنسان إلى التقرب من الله دون وسيط، بجهده الشخصي.

التصوف نادر في المغرب، فالبربر هناك يميلون عموما إلى التمرد، ويمكن ذكر أمثلة شهيرة على ذلك، لكنه لا يشكل الشكل المعتاد للتجربة الدينية، على العكس، فإن عبادة الأولياء متأصلة جدا بين البربر، فالله عظيم جدا، بعيد جدا، يصعب الوصول إليه، لذا فقد جسدوه وجعلوه أقرب إليهم في تبجيلهم للمرابطين: فالمرابطة هي الشكل الشعبي للدين في المغرب.

وإذا كان المغرب يقدم لنا نموذجا للإسلام المتشدد المقاوم لأي تأثير أجنبي، فإننا لا نريد مع ذلك أن نعتبره غير قابل للتغيير، كما يدعي في كثير من الأحيان، أفراد متحيزون بشكل منهجي للإسلام.

ولكن كيف يُطلب منا أن نكسر الأطر الضيقة للإسلام؟ بطريقتين: من قبل لامبالاة دينية، أو من خلال تعليقات اللاهوتيين.

لقد ترسخت اللامبالاة الدينية بشكل ملحوظ بين مسلمي الجزاير، وخاصة في منطقة القبائل، أما في المغرب، فما تزال هذه الظاهرة كحالة مُتشَتِّتة، ولا يمكن تفسير ذلك إلا كنتيجة للتحولات الاقتصادية العميقة مع أوربا (135).

أما النمط الثاني فهو أكثر إشكالية، وأقصد به الإصلاح من خلال تفسير لاهوتي: اللاهوت من وجهة نظر معينة بالفعل يظهر كمحرر من خلال تعليمه كيفية استنتاج معان أخرى، تتجاوز التفسير الحرفي الذي في النص، فعلى سبيل المثال، يُشير القرآن إلى أن المسيحي كائن نجس: فيفسَّر اللاهوت أنها مجرد نجاسة أخلاقية، نجاسة رمزية، فيستخدم أداة التفسير المجازي القوية، وهكذا شيئا فشيئا، قد تتضاءل قدسية القرآن وثباته.

ظهر مؤخرا تفسير للقرآن، من تأليف الشيخ عبده في القاهرة، يقدم تأويلات لا يشير إليها النص الحرفي للقرآن، هذا التفسير الذي لم ينشر بعد، يظهر مجزأ في إحدى المجلات المصرية.

يذكر المؤلف على سبيل المثال، أن الشيطان غير موجود وأن المصطلح يجب أن يفهم فقط على أنه يشير إلى النزعات الشريرة الكامنة في البشرية.

وبالمثل، يفسر الشيخ عبده الأسطورة القرآنية عن هلاك الجيش الأثيوبي المُرسل إلى مكة بواسطة طيور “الأبابيل” قائلا، إن “الأبابيل” لم تكن سوى مكروبات وباء ما، كما صدرت مؤخرا كتيبات، كتبها تونسيون حيث يبينون بأن القرآن وضع للبشرية جمعاء، فعليه أن يكون قادرا على التكيف مع جميع الشعوب.

وينبغي للمرْءِ أن يجد فيه إذا أحسن تفسير مصطلحاته، مبادئ التسامح فقط، هذا هو العمل المعتاد لعلم اللاهوت، أي التحضير للتحرر؟ ولكن هذا التحرر قريب من الإسلام؟

وهذا تحديدا ما يجعل دراسة المغرب مثيرة للاهتمام بالنسبة لنا، فعندما يريد الجغرافي الباريسي إعادة بناء غابات العصر الكربوني، أو شواطئ العصر الجورسي المليئة بالوحوش، فإنه يتجه إلى التنقيب في مناجم الفحم بالشمال أو منحدرات القناة الانجليزية، فهو يعلم أنه بالحفر في التربة، يستطيع استخراج أرشيفه الخاص، الأحافير، وإجراء عمليات إعادة البناء، وبالمثل عندما نريد أن نرى الإسلام كما كان قبل عشرة قرون، نستقل قاربا إلى طنجة، وبمجرد توغلنا في عمق البلاد نعود بالزمن عشرة قرون إلى الوراء:

المغرب أشبه بمتحف أثريٍّ للإسلام، آسِرٌ لدرجة أن المرء ينسى المصائب التي ألمَّت به، الحروب والمجاعات وأسراب الجراد، والقياد بل وأسوأ من ذلك.

ولكن مع أن دراسة هذا المجتمع البدائي، تعد متعة للباحث، فإن تلك الدراسة لا تقل أهمية للسياسي؛ لأنها تتيح له قياس المسافة التي تفصل حضارة كالحضارة المغربية، عن حضارة أخرى كحضارتنا، وبالتالي تظهر له مدى صعوبة الحكم على الأحداث المغربية بمعايير الأحداث الأوربية، كما يدرك مدى صعوبة استيراد مؤسسات أجنبية إلى بلد ما، وما قد ينجم عن إصلاحات تبدو لنا بسيطة للغاية من اضطرابات، لذا يجب على السياسي الحرص على احترام الممارسات المعمول بها، وكرامة الناس الذين يُطلب منه التعامل معهم، من أجل توفير حماية لبلده وهو النجاح الضروري الذي يليق حقا بأمة متحضرة، وهو ما ينبغي الحذر من شأنه وهو ما سنتعلمه خلال هذه الدروس، حذر في هذا الشأن من خلال دراسة معمقة للأسباب التي أدت إلى تأكل شعبية عبد العزيز وسقوطه.

سنرى في الواقع أن من بين هذه الأسباب محاولات الإصلاح التي قام بها هذا السلطان، وأنه سقط جزئيا لتجاهله الحقيقة التي عبر عنها ميكيافيلي بهذه العبارات البليغة، والتي تعد بمثابة أفضل مقدمة لنا: “فليقتنع الأمراء إذن بأن إمبراطوريتهم، تبدأ في الانزلاق من بين أيديهم، في اللحظة التي يبدأون فيها بدوس القوانين والعادات القديمة، التي اعتاد الناس العيش في ظلها، زمنا طويلا” يتبع..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :les causes de chute d,un sultan

Six conferences ,faites a l,ecole des langues orientales en 8 mai 1909

Par m.EDMOND DOUTTE

Coup d,oeil sur le maroc et l,islam marocain

في: supplement a l,afrique francaise de juillet 1909.pp 136-132

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد
25°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة