محاربة الغش أم مطاردة جماعية للتلاميذ؟

محاربة الغش أم مطاردة جماعية للتلاميذ؟
هوية بريس – حكيم بلعربي
لا خلاف بين العقلاء على أن الغش آفة تربوية وأخلاقية خطيرة، وأن أي منظومة تعليمية تحترم نفسها لا يمكن أن تتسامح معه أو تتهاون في مواجهته. فالغش اعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص، وسرقة لجهد المجتهدين، وتزوير لقيمة الشهادات والكفاءات. كما أن ديننا الحنيف حسم الأمر بوضوح عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غش فليس منا»، وهو حديث يجعل من الغش سلوكاً منافيا للأمانة والصدق والاستقامة.
لذلك فإن كل المبادرات الرامية إلى حماية نزاهة امتحانات الباكالوريا تستحق الدعم والتقدير، وكل إجراء يهدف إلى الحد من ظاهرة الغش يجب أن يُنظر إليه بإيجابية من حيث المبدأ. غير أن تبني محاربة الغش لا يعني القبول بأي وسيلة أو أي أسلوب مهما كانت آثاره السلبية على التلاميذ والفضاء التربوي.
لقد أثار استعمال أجهزة كشف الهواتف خلال امتحانات الباكالوريا نقاشا واسعا، والواقع أن هذه الأجهزة حققت نتائج في بعض الحالات وأخفقت في حالات أخرى كثيرة، شأنها شأن أي وسيلة تقنية ليست معصومة من النقص والقصور. لكن القضية الحقيقية لا تكمن في الجهاز نفسه، بل في الكيفية التي جرى بها استعماله داخل بعض المؤسسات التعليمية.
فمن المؤسف أن تتحول لحظات الامتحان، التي يفترض أن يطبعها الهدوء والتركيز والسكينة، إلى مشاهد من الضجيج والحركة المفرطة والتفتيش المتكرر وأصوات الأجهزة التي تقطع على التلاميذ حبل التركيز كل بضع دقائق.
إن التلميذ الذي يجلس أمام ورقة امتحان تحدد جزءا مهما من مستقبله لا يحتاج إلى مزيد من التوتر والارتباك، بل يحتاج إلى بيئة نفسية مستقرة تساعده على استحضار ما بذله من جهد طوال السنة الدراسية.
إن بعض المشاهد التي تم تداولها على وسائل التواصل لا تليق بحرمة الامتحان ولا بمكانة المؤسسة التعليمية. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع أجواء تربوية راقية، وجد بعض المترشحين أنفسهم وسط حركة صاخبة أقرب إلى الحملات التي تشنها السلطات (المخازنية) على الباعة المتجولين في بعض شوارع المدن المغربية، حيث الجلبة والركض والصياح وكثرة التدخلات. والفرق كبير بين فضاء تربوي يفترض أن تُصان فيه كرامة المتعلم، وبين فضاء يسوده الارتباك والتشويش تحت عنوان محاربة الغش.
ولا يعقل أن يصبح التلميذ، وهو يتأهب لاجتياز أحد أهم امتحانات حياته، عرضة للتشويش النفسي والذهني بسبب إجراءات كان يفترض أن تُنفذ قبل دخوله إلى قاعة الامتحان. فمحاربة الغش شيء، وتحويل المؤسسة التعليمية إلى فضاء مشحون بالضوضاء والارتباك شيء آخر تماما.
إن الحاجة إلى أجهزة كشف الهواتف، إذا كانت ضرورية، فإن مكانها الطبيعي هو أبواب المؤسسات ومداخل مراكز الامتحان قبل انطلاق الاختبارات، لا داخل القاعات وبين الصفوف أثناء انهماك التلاميذ في الإجابة. هناك ينبغي أن تتم المراقبة الصارمة والحازمة، وهناك ينبغي أن تُمنع الهواتف والوسائل الممنوعة من الولوج أصلا. أما بعد دخول المترشحين وجلوسهم في أماكنهم، فإن الأولوية يجب أن تكون لتوفير أقصى درجات الهدوء والتركيز والاحترام.
والأخطر من ذلك أن الإفراط في المقاربة التقنية قد يخلق وهما بأن المشكلة تُحل بالأجهزة فقط. والحقيقة أن الغش ظاهرة قيمية قبل أن تكون ظاهرة تقنية. فمهما تعددت أجهزة الكشف وتطورت وسائل المراقبة، ستظل النتائج محدودة إذا لم يُصاحبها عمل عميق على ترسيخ قيم الصدق والأمانة والاجتهاد والجد والمثابرة وتحمل المسؤولية.
إن المدرسة المغربية ليست في حاجة إلى مزيد من الضجيج داخل قاعات الامتحان، بل في حاجة إلى مزيد من التربية على النزاهة. وليست في حاجة إلى تحويل التلميذ إلى موضع اشتباه دائم، بل إلى بناء ثقته بنفسه وبجهده وبقدرته على النجاح الشريف. فالأمم لا تبني مستقبلها بالأجهزة وحدها، وإنما تبنيه بالقيم التي تجعل الإنسان يرفض الغش حتى عندما يكون قادرا عليه.



