محاضر اللجنة المكلفة بتنظيم العدلية البربرية 1929م

08 يوليو 2026 00:19

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

محاضر اللجنة المكلفة بتنظيم العدلية البربرية 1929م

الإقامة العامة للجمهورية الفرنسية بالمغرب

قرار رقم 345.A.P

تؤلف لجنة لدراسة السير الحالي للعدلية البربرية والتغيرات التي تدخل عليها، وهذه اللجنة تحتوي على:

1- الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، رئيس اللجنة

2- الوزير المفوض مدير الشؤون الشريفة أو نائبه

3- المدير العام للشؤون الأهلية والمكتب العسكري أو نائبه

4- رئيس إدارة المراقبة المدنية

5- رئيس إدارة الأبحاث التشريعية

6- رئيس المحافظة العقارية

7- المراقب المدني رئيس ناحية الرباط

8- المراقب المدني رئيس مقاطعة زمور

9- إيزار من إدارة الشؤون الأهلية

10- مندوب المحامين بالرباط

11- الترجمان رونيسيو من مكتب الشؤون الأهلية لناحية مكناس

12- الترجمان كييو من مكتب الشؤون الأهلية لناحية فاس

تعين الإدارة العامة للشؤون الأهلية برنامج المسائل التي ستقدم للجنة.

الرباط في 7 دجنبر 1929

المقيم العام: لوسيان سان.

****

محضر الجلسة الأولى

المنعقدة يوم 26 يبراير 1930

بتاريخ 26 يبراير 1930 اجتمعت اللجنة المكونة بالقرار المقيمي رقم A.P. 345 الصادر في يوم 7دجنبر 1929.

وحضر جلستها الأولى بصفة رئيس، حضرة المسيو كورديـي الرئيس الأول في محكمة الاستئناف، وبصفة أعضاء حضرات:

1- الجنرال نوكيس المدير العام للأمور الأهلية والمكتب العسكري

2- بينازي مدير الأمور الأهلية

3- بلان قنصل فرنسا ومستشار الحكومة الشريفة وصحبته المترجم الكومندار مارتي

4- كنطار رئيس إدارة المراقبة المدنية

5- دوران رئيس إدارة الأبحاث التشريعية

6- رولان رئيس إدارة المحافظة العقارية، وصحبته دوران المفتش الرئيس

7- بيسونيل المراقب المدني ورئيس ناحية الرباط

8- بوسيـي المراقب المدني ورئيس ناحية زمور

9- إيزار الكومندار بإدارة الأمور الأهلية

10- بيكار رئيس المحامين بالرباط

11- باكو رئيس المحامين بالدار البيضاء

وبصفة كتاب قائمين بأعمال السكرتارية حضرات:

1- رونيسيو الترجمان القبطان من مكتب الأمور الأهلية بمكناس

2- كيبو الترمان الليوتنا من مكتب الأمور الأهلية بفاس

3- لارشي القبطان من إدارة الأمور الأهلية بالرباط|

وبعد تبيين أن الغرض من تأليف هذه اللجنة، هو تسهيل تبادل الأفكار بين الإدارات المختلفة، فيما يتعلق بسير العدلية البربرية وتنظيمها، وتقديم اقتراحات مفيدة للحكومة في هذا الموضوع، أخذ الأعضاء يتبادلون الرأي فيما بينهم، وفيما يلي تسجيل أهم التصريحات التي فاه بها كل منهم.

– إيزار: في سنة 1924 اجتمعت لجنة مشابهة لهذه اللجنة، وأعلنت وجوب إصدار ظهير للاعتراف بوجود “الجماعات” وطبقا لما قررته تلك اللجنة سنة 1924

وُضع “مشروع ظهير” يعطي اختصاصات الحكم في الجنايات للقواد، وفي المسائل المدنية والتجارية للجماعات.

– إيزار أيضا: هذه المحاكم العرفية “الموجودة بين البربر الآن” إنما أنشئت بوسائل إدارية فقط، طبقا لتعليمات الإقامة العامة سنة 1924.

– كورديـي: إن هذه القبائل التي حاربت دائما من أجل المحافظة على استقلالها، احتفظت بالميل إلى أن تحكم نفسها بنفسها، فأولا كان الخصمان المتداعيان يترافعان إلى شخص يتفقان على تحكيمه، وقبول حكمه، وثانيا أخذ الخصوم يترافعون إلى جماعة من المحكمين يضعون فيهم ثقتهم، وهكذا كان الحال عند وصولنا للمغرب.

– كورديـي أيضا: إن ظهير 1914 هو الوثيقة الوحيدة التي اعتمدت عليها إدارة الأمور الأهلية في الجهات العسكرية، وإدارة المراقبة المدنية في النواحي المدنية، لإقامة عدلية ملائمة لرغبات البربر وحقوقهم المعترف بها، وذلك في سبيل الأمن والسلم.

– كورديي أيضا: هذه العدلية البربرية ابتدأت مجانا، وشرع في تطبيقها، والعمل بها دون نظام مشروع، وظهير 1922 الخاص بمسألة العقارات في بلاد العرف، أتى بنتائج حسنة.

لكي يلزم اتباع ظهير 1914 بظهير سلطاني آخر يعترف بالوجود القانوني للجماعة، ويعترف بصحة إحكامها ويلزم تنظيم مراقبة خاصة للعدلية البربرية، ووضع ميزانية قانونية لمصاريفها ومداخيلها.

– كنطار: في رأيـي أن إصلاح العدلية البربرية، لا ينبغي أن يدرس وحده، بل يجب أن يربط بين الأبحاث المتعلقة بالعدلية البربرية، والعدلية الأهلية، ويظهر لي أن إصلاح العدلية البربرية، يجب أن يكون مثالا للعدلية القرآنية.

– نوكيس: هذا هو رأي المقيم العام

ولكن دراسة تنظيم العدلية البربرية أمر مستحيل الآن.

– كورديـي: المهم أن العدلية البربرية هو تنظيم حالة مؤقتة،

والإصلاحات التي يقرر إدخالها على العدلية ليست لها هذه الصفة المستعجلة.

– بيكار ما يتعلق بالعدلية البربرية أمر سهل، بخلاف العدلية القرآنية، التي يلزم فيها الهدم ثم البناء.

كورديـي: هذه الحالة هي في جوهرها مؤقتة، ويلزم الآن فقط قضاة، ولا يلزم الآن قانون، وعلى الموظفين الفرنسيين، أن يلاحظوا، ثم يقننوا ما لاحظوه، ويلزم تنظيم مسطرة التحاكم، قبل دراسة التقنين.

– دوران: يلزم نصب قاض فرنسي في المحاكم البربرية يمكنه استنباط ما هو قانوني بين البربر.

– بيازي: البربر قد لا يقبلون هذا، والمناطق الخارجة عن الطاعة قد تستغله للدعاية ضد التجديدات الفرنسية.

– نوكيس: إن عدد الجماعات كثير بشكل لا يمكن معه إرسال قاض فرنسي لكل واحدة.

– كورديـي: إن عدد الذين يعرفون البربرية قليل جدا، فلا يمكن وجود العدد الكافي من القضاة الفرنسيين.

– بيكار: يحسن أن توضع المحاكم العرفية الابتدائية تحت رئاسة قاض فرنسي، ويُبتدأُ بتطبيق هذا الاقتراح في مقاطعة زمور.

– كورديـي: يلزمنا أن نضع نظاما مطاطا لينا جدا بحيث يسمح بنصب القضاة الفرنسيين في المحل الذي يلزم فيه ذلك فقط.

– دوران: في الجهات التي وقع فيها تطور يسهل إرسال قاضي صلح أو قاضيين، بعد جلبهما من بلاد القبائل “الجزائرية”، وإذا نصب القاضي الفرنسي في الجماعة، فإنه يكون رئيسا لها، يستشيرها، ولا يكون قاضيا وحيدا.

– بينازي: إدخال القضاة الفرنسيين “القبائليين” بين بربر المغرب، لا يخلو من أن تعترضه عقبات، وتحول دونه موانع، ويلزم أن نتذكر أن إصلاح العدلية البربرية في الجزائر نفسها، لم يكن خاليا من العقبات والموانع السياسية، وهذه العقبات والموانع، لا تزال قائمة في المغرب في الحالة الحاضرة.

– كورديـي: بدلا من جلب القاضي الفرنسي، يكتفي بإدخال الموظف الفرنسي في الجماعة.

– كييو: يحسن تسمية مندوبين للمحكمة متخصصين في المسائل البربرية، عوضا عن القضاة، وهؤلاء المندوبون يجمعون قائمة للعادات المتبعة، ويطورون الجماعات شيئا فشيئا، نحو مسطرة التحاكم والتشريع الفرنسيين.

– كييو أيضا: إن العرف البربري يتغير من قبيلة إلى قبيلة، وهذا التغيير يوجد حتى في مسائل مهمة جوهرية، وليس من مصلحتنا إيقاف العرف في حالته الحاضرة، ففي كثير من المسائل يلزم أن يطوَّر العرف، حتى لا يبقى متعارضا مع مطامحنا، ولا يحول دون امتداد مدنيتنا، وقد دفعنا فعلا بعض الجماعات المتطورة إلى أن تقرر من جهتها في أحكامها تضييق مزاولة “حق الشفعة”، ذلك الحق الذي ظهر في كثير من الأحوال أن فيه مجاوزة للحدود.

– بوسيـي: إن القواد يعارضون أكثر الأحكام التي تصدرها الجماعات، ولذلك يلزم رجال الإدارات أن يساعدوا بكل قواهم الجماعات القضائية مدة طويلة.

– كورديـي: يلزم الإدارة أن تحفظ حريتها في أكثر الجهات البربرية، لأجل عملها السياسي.

– بيكار: يلزم البحث هل هذه المحدثة الجديدة (الجماعات البربرية) تستحق التقوية والاستمرار أم لا؟ وغير خاف أنه بواسطة وسائل إدارية وتعليمات مقيمية سنة 1924 أنشئت الجماعات، ومن قبل كان البربر يترافعون إلى محكِّمين، وتنظيم الجماعات التي سيعطاها حق الحكم والفصل، لا يظهر أنه احتفاظ بعادات الأهالي الموروثة.

– بيكار أيضا: البرابرة مستعدون لقبول القاضي (الفرنسي) والحَكم التقليدي الذي كانوا يحكِّمونه سيصبح هو هذا القاضي، ويحسن تسميته المندوبين (مندوبي الحكومة) قضاة، ولماذا تميل الحكومة إلى أن تصدر الأحكام بواسطة موظفين لا حق لهم في الحُكم، بدلا من أن تكون بيد من لهم هذا الحق، لماذا تميل إلى المندوبين ولا تريد القضاة ؟؟

– دوران: لأجل تثبيت العرف ينبغي نصب القاضي الفرنسي

ويلزم إصدار نص قانوني يسمح بإنشاء مركز للقاضي ثم يمتد ذلك شيئا فشيئا.

– كورديـي: التفكير في ضم العدلية البربرية إلى عدلية معينة أمر سابق لوقته.

– نوكيس: لا شيء يبرهن لنا على أن البربر سيقبلون التحاكم إلى القضاة الفرنسيين غدا، فقد يؤدي ذلك إلى معارضة تامة من الأهالي، وإذا أريد الوصول إلى القاضي الفرنسي، فيلزم الوصول إليه باحتياط واحتراس.

– بلان: من المناسب تعريف أعضاء الجنة بالصعوبات الجديدة التي أثارها ظهير 1914 من جهة المخزن المركزي (السلطان والوزارة) وإذا كان الإصلاح الحاضر يجب أن ينفذ بظهير، فضروري أن يكون نصه قصيرا، وأن يعطي السلطان نيابة عنه، في كل ما يتصل بتنظيم المحاكم العرفية.

– بيكار: يمكن للسلطان أن يوافق على نصب قضاة فرنسيين بسهولة تامة، أكثر من موافقته على إصلاح المحاكم المغربية.

– كورديـي: المهم هو تنظيم الموجود وفتح الأبواب للمستقبل، وينبغي قبل كل شيء معرفة نوايا الحكومة، ويلزم اتخاذ قرارات تحفظ المستقبل وتميل نحو القاضي الفرنسي، وسيكون صعبا بل خطرا على الإدارة الحسنة للبلاد، حب الوصول إلى هذا الغرض بسرعة تامة.

– بيكار: إن منظر “المعمرين” واقفين أمام الجماعات الصماء الخرساء، إما بواسطة القائد أو بواسطة المراقب منظر مؤسف، فيجب الابتعاد عن جعل هذا الأمر نهائيا، إن المتحاكمين يريدون محكمة، والجماعات هي إما في يد القائد، أو في يد المراقب، وفي كلتا الحالتين هي عديمة الفائدة، وترجمان المراقبة، هو في الحقيقة قاضي “الجماعة”.

– نوكيس: يمكن أن يخفض عدد الجماعات شيئا فشيئا، وهكذا يصبح أعضاء الجماعات البربرية بالتدريج، عبارة عن مساعدين ومستشارين للقاضي الفرنسي.

– كورديـي: يمكن اعتبار مندوب الحكومة رئيسا للجماعة، يدير مناقشتها.

– إيزار: لقد أوجدنا “القواد” عند البربر، والقواد لا تعرفهم التقاليد والأعراف البربرية.

– نوكيس: كل القبائل البربرية شديدة التعلق بنظامها الموروث، والقبائل التي أطاعت حديثا تقول: نريد جماعتنا.

– كورديـي: يكفي إدخال العنصر الفرنسي في الجماعات، والبربر لم يتطوروا التطور الكافي حتى يفرض عليهم فجائيا هذا التنظيم العمومي النهائي، ويجب أن تعنـى اللجنة قبل كل شيء بالنص القانوني الذي يضع أساس العدالة البربرية، وعندما يتم ذلك يؤخذ في إعداد التطورات والتغيرات اللازمة.

وبعد استشارة أعضاء اللجنة، عين الرئيس موعد اجتماعها الثاني، يوم الخميس 6 مارس 1930 ورفعت الجلسة. (ص137-145).

محضر الجلسة الثانية

المنعقدة يوم 6 مارس 1930

يوم الخميس 6 مارس 1930 عقدت لجنة تنظيم العدلية البربرية، اجتماعها الثاني في قاعة اللجان بالكتابة العامة للحماية، وحضر هذه الجلسة، كافة الأعضاء المذكورة أسماؤهم في محضر الجلسة الأولى، ما عدا الجنرال نوكيس الذي تغيب، وحضر عوضا عنه عضو جديد يدعى المسيو بلان دوكولي، وفيما يلي تسجيل أهم التصريحات التي فاهوا بها.

– بينازي: إن الظهير الحالي يبقي النظام الحاضر الذي لا أساس له سوى التعليمات الإدارية.

– كورديـي: بجب علينا أن نحتفظ لهذا العمل الذي نُعده بصفته المؤقتة، ولأجل أن يصبح نهائيا، يجب إقامة القاضي الفرنسي في المحاكم العرفية الابتدائية.

– بينازي: إن المتنازعين يرفعون علينا احتجاجات ضد أحكام الجماعات، باعتبار كونها أحكاما غير قانونية من أصلها، وغير معترف بها، فنرجو منكم أيها الأعضاء بالخصوص، أن تجعلونا في حرز من هذه الاحتجاجات.

– بيكار: لقد نظمت الجماعات التي لم توجد أبدا، أو لم تكن لها أية سلطة من الوجهة القانونية.

– كنطار: أنا أعرف رأي الأستاذ بيكار، فالجماعة من الوجهة القانونية لم توجد مطلقا.

– برونو: أنا أُأَيد أيضا فكرة أن الجماعة لم يكن لها أي حق في الحكم.

– بيكار: من المؤسف تنظيم محاكم بدون قانون قابل للتطبيق، وما هو القانون الذي ستُدعى الجماعات إلى تطبيقه ؟ أليس الواجب قبل إنشاء محاكم، إيجاد قانون لها؟

– بيكار أيضا: أنتم تفرضون على البربر “قوادا”. وتعطونهم رئيسا معينا من المخزن، بدلا عن الرئيس المنتخب منهم.

– كيبو: لا ينبغي نسيان نتائج التجربة الماضية في بلاد “القبائل الجزائرية” فنصْب القاضي الفرنسي، أحدث رد فعل بين الأهالي، عندما يتطور العرف في المغرب، يتم الانتقال إلى القانون الفرنسي بسهولة.

– بوسيـي: لا يوجد مانع من تطبيق هذا الإصلاح أيضا في بلاد الشرع.

– بيكار: سبق اقتراح تأسيس محاكم استئنافية للبربر تحت رئاسة قاض فرنسي، فهل لا يمكن لهذه المحاكم أن تطبق القانون الفرنسي؟

– بيكار: إن العرف الجنائي البربري يتضمن أمورا لا يمكن أن تقبلها أخلاقنا ومدنيتنا، وكيف يمكن أن يقطع الشخص سيقان خصمه فيعاقب فقط بذعيرة 1.500 فرنك؟

– مارتي: هكذا يوجد في إفريقيا الغربية، ويمكن الاتفاق على قبول تطبيق العرف، ما عدا إذا كان العرف مخالفا للأخلاق.

– بيازي: لا شك أن هناك موانع تمنعنا من بحث هذه التحديدات، ولا يمكن التفكير الآن في فرض إصلاح خطير، مخالف للعادة، على قبائل لم تدخل في الطاعة إلا من جديد.

– بلان: يظهر لي أنه ليس من الممكن مطالبة السلطان بإصدار ظهير عام ينشِئُ عدلية، ليست هي عدليته الخاصة، وكل ما يمكن أن يطلب منه، هو إصدار نص مختصر جدا، يعترف فيه بالنظام الموجود.

– إيزار: أعرض عليكم بهذه المناسبة محضر اللجنة التي اجتمعت سنة 1924 وطالبت بإصدار ظهير يعترف بوجود العدلية البربرية.

– بينازي: هل البربر راضون عن نظامهم القضائي؟ نعم، وهل يكونون راضين من مقابلة المحكمة الفرنسية وجها لوجه؟ لا يرضون.

– بينازي أيضا: لا يمكن أن يكون القاضي الفرنسي في المحاكم العرفية الابتدائية، لكن في الاستئناف العرفي فقط يمكن إدخال موظف فرنسي، يدير مناقشات الجماعة.

– بيكار: لا أستطيع أن أرى القاضي الفرنسي حاضرا بين البربر في محاكم الاستئناف، وحضور هذا القاضي معهم، فيه إهانة لكرامتنا، وحط من شرفنا، على أننا لم نأت إلى المغرب لننظم العرف، وعقوبة القصاص.

– كورديَي: في بلاد القبائل الجزائرية، لم ينجح قضاة الصلح، حسبا كان يقدر، ومسألة العدلية البربرية تهم أكثر من مليونين من الأهالي، ومن الخطر أن يجعل ما هو مؤقت في هذه العدلية نهائيا، بل يلزم الاحتفاظ لها بالصيغة المؤقتة.

– بينازي: نحن جميعا نقبل أن يتطور العرف، وكل جهود السلطة الفرنسية، سواء في ميدان العرف أو ميدان الشرع، تميل نحو هذا التطور.

– بينازي أيضا: محاكم الاستئناف العرفي سيكون الموظف الفرنسي قائما فيها بدور سياسي، ودور قضائي.

– بيكار: انتبهوا إلى الوقت الذي يقول فيه البربر: “عندنا محاكمنا، لقد منحتموها لنا، فها نحن نحتفظ بها”.

– بيكار أيضا: في سنة 1914 أي في الوقت الذي كان الظهير المعترف بوجود القبائل البربرية لا يزال تحت التحضير، حضر أوجيستان برنار إلى المغرب مبعوثا خصوصيا لدراسة المسألة، ووضعِ تقريرا عنها، وعندما اطلعت الحكومة الفرنسية على تقريره، تألمت وتأثرت من “أن تطور البربر، لم يوجه في طريق التطور الفرنسي”.

– بينازي: يلزم التفكير أولا في الاضطرابات السياسية التي يمكن أن تنشأ عن هذه التدابير المراد اتخاذها.

– بيكار: أعتقد أن في الإمكان نصب قاضي صلح في الخميسات، وفي القبائل البربرية النائية، يكون الضابط الفرنسي هو قاضي الصلح العسكري، وهكذا تكون العدلية المنشأة بين البربر، مؤسسة فرنسية على الحقيقة.

– بينازي: يحب أن يترك لنا الوقت الكافي لإعداد هذا التطور، وهذا التطور لن يغيب على أذهاننا أبدا.

بوسيـي وكيبو: إن المتحاكمين إلى العرف هم في حالة ساقطة، بالنسبة إلى المتحاكمين إلى الشرع.

– بيكار: يوجد “شيخ مرابط” في نمور يأتيه الخصوم ليفصل بينهم، فيبعثهم إلى فاضي الصلح.

– بلان: قد وضعت نصا محتويا على ثلاثة فصول، وها هو ذا أعرضه على اللجنة، وفي الفصل الثالث منه إعطاء نيابة من السلطان للمقيم العام، في تنظيم المحاكم العرفية.

– كنطار: ليس من الممكن إعطاء نيابة للمقيم العام في السلطات التشريعية.

– بينازي: لقد حاولنا أن نبعد بقدر الإمكان تدخل “المحكمة العليا الشريفة” في هذه المادة.

– كورديـي: أقترح أن تكون المحاكم الفرنسية مختصة بعقوبة الجرائم المرتكبة في بلاد البربر، وأن تضيف إليها ثلاثة مستشارين برابرة، وقد وُجدت سابقة لهذا، حيث أن البربر يحاكمون أمام المحاكم العسكرية، وأطالب أيضا بتأسيس قضاء استئنافي عرفي، تحت مراقبة مندوب من الحكومة.

وفي هذه الجلسة، قدم مشروع ظهير واقع في ثمانية فصول، لدراسته في الجلسة المقبلة، وبعد استشارة أعضاء اللجنة، تقرر أن يكون اجتماعها الثالث، يوم الخميس 13 مارس 1930 ورفعت الجلسة.

محضر الجلسة الثالثة

المنعقدة في يوم 13 ما س 1930

في يوم الخميس 13 مارس 1930 عقدت لجنة تنظيم العدلية البربرية جلستها الثالثة والأخيرة في قاعة الاجتماعات بالكتابة العامة للحماية، وحضرها جميع الأعضاء، ما عدا الجنرال نوكيس، وفيما يلي تسجيل أهم التصريحات التي فاه بها الأعضاء.

– كوردي: أرى أن تكون عقوبة الجرائم المرتكبة في بلاد البربر، موكولة إلى المحاكم الفرنسية، كيفما كان مرتكب الجريمة.

– بينازي: إنني أشك في إمكان موافقة المخزن على هذه المسألة.

– بلان: لا أستطيع أن أؤكد لأعضاء اللجنة، مساعدة السلطان على النص المشار إليه.

– بينازي: يظهر لي أن من الممكن التخوف من عدة صعوبات، ومن الممكن حدوث رد فعل من جانب المخزن، وأرى من المستحسن أن نصل إلى هذه التدابير بالتدريج.

– مارتي: يظهر لي أن الصعوبات التي يتخوف منها، تتعلق بالفصل الثاني (من مشروع الظهير) الذي يتكلم عن الأمور المدنية، حيث أنه يمس القانون الإسلامي المنزل، ويطلب من المخزن أن ينفذ قانونا ليس قانونه الخاص.

– بلان: من أجل هذا ينبغي أن يطلب من السلطان أقل ما يمكن، والنظام التفصيلي للمحاكم البربرية، يوكل إلى الكاتب العام للحماية.

– إيزار: ليس من الممكن أن نعطى للمقيم العام أو ممثله، نيابة في السلطات التشريعية، وهذه الملاحظة قد أدلى بها في الجلسة الأولى لهذه اللجنة رئيس إدارة الأبحاث التشريعية.

– بلان: عندي مشروع جديد للظهير المنوي إصداره وهو في فصل واحد نصه: “في قبائل العرف البربري غير المزودة بمحاكم تطبيق الشرع، يكلف المقيم العام للجمهورية الفرنسية في المغرب، بوضع تنظيم مؤقت للمحاكم العرفية، وتعيين اختصاصات هذه العدلية ومسطرة التحاكم فيها”.

– كورديَي: لا قيمة لهذا من الوجهة التشريعية، فلا يمكن مطلقا أن يكون المقيم العام نائبا عن السلطان، والمهم هو وضع إصلاح قضائي موافق عليه من الحكومتين، ولا يصح التفكير في إعطاء السلطان وكالة عن سلطته التشريعية إلى المقيم العام، لأن المندوب يكون دائما خاضعا لمن انتدبه، وأيضا فالسلطان لا يمكن أن يترك جزء من سلطته، دون أن ينقص نفوذه المعنوي.

– مارتي: الاعتراضات التي يمكن أن يقدمها المخزن هي اعتراضات من الوجهة الدينية، فالسلطان بصفته “أمير المومنين” لا يمكنه أن يتنازل ليصدر هو نفسه أمرا بإخراج جزء من رعاياه المسلمين، عن طاعة القانون الإسلامي، الذي نزل به الوحي.

– بلان: لا ينبغي نسيان أن ظهير 1914 قد نوقش مدة طويلة عند المخزن، وأن الظروف في ذلك الحين هي التي أثرت تأثيرا كبيرا في ترجيح إصداره.

– بلان أيضا: إن السلطان -مصطبغا بصفته ونفوذه كرئيس ديني- لا يمكن أن يقول لنا إلا شيئا واحدا: “افعلوا ما تريدون، لكن افعلوه بأنفسكم” والحكومة قد علمت هذه الحالة الفكرية التي عليها السلطان، ولذلك كتب مستشار الحكومة الشريفة في الموضوع إلى الكاتب العام للحماية بتاريخ 15 يونيو 1927 رسالة عليها رقم 3888 جاء فيها: “لقد ظهر أنه ليس في الإمكان أن يدخل السلطان في هذا السبيل، وقد أعلنت لك مرات عديدة موقف السلطان في هذه المسائل البربرية، فهو لا يريد بأي شكل من الأشكال، أن يتدخل فيها، ولا أن يضع في قانون رسمي، قرارا يهدم الشريعة ولا أن يعلن بصفة من الصفات، تنازله عما له من الحقوق بصفته إماما وحارسا للقانون الدينـي، وهذه عنده مسألة نفوذ أمام رعاياه، ومسألة شعور ديني صادق، هو متعلق به شديد التعلق”.

– كورديـي: إن موقف فرنسا إزاء السلطان وإزاء الدول الأجنبية، موقف معين محدود في عقد الحماية، ويمكن التخوف من حدوث توتر في العلاقات من جهة وأخرى بسبب إنشاء نظام عدلي فرنسي مباشر في البلد البربرية، وهو نظام مشتق من السلطة الفرنسية، وصادر عنها وحدها، وأنا أعرف قيمة الاعتراض من الوجهة الدينية، ولكني أتساءل إذا كان يمكن عمل هذا الإصلاح بطريق أخر غير الظهير، وقيامنا وحدنا -ولو مع رضى السلطان- بالتنظيم المقصود، سيؤدي إلى قطع العلاقات بين السلطان وفرنسا، وفي المستقبل عندما يكون السلطان أشد اهتماما، وأكثر اطلاعا، سيؤاخذنا قطعا بأننا انتزعنا سلطته واختلسناها اختلاسا، وهذا سيكون على كل حال مناقصا تمام المناقصة لعقد الحماية، الذي يجب علينا احترامه، ولا ينبغي لنا أن نقبل من السلطان أي تنازل، بل يلزمنا أن نقدم له معونتنا الخالصة، ولا يمكنه بعد ذلك أن يرفض مساعدتنا.

– إيزار: إن القبائل التي أمناها خضعت لفرنسا، وعدة قبائل بمجرد دخولها تحت إدارتنا أعادت جماعتها القديمة التي كانت انقرضت تحت سلطة كبار القواد، وكيف يمكن إصدار قانون بدون ظهير؟

– كورديـي: لا يلزم فقط إصدار ظهير من السلطان لتنظيم العدلية البربرية وتحديدها، بل يجب أيضا أن يتعاون السلطان مع الأمة الحامية، لتنفيذ هذا التنظيم. لقد أدخلنا تحت سلطته الكتلة البربرية، وهذه الكتلة لم تأت عندنا إلا بشرط الاحترام لعوايدها وقد وعدناها بذلك باسم جلالة السلطان واسمنا، والسلطان سيفهم قطعا قيمة هذا الوعد.

– إيزار: إذن فعلى الحكومة أن تفاوض السلطان في هذه المسألة، باسم المحامين الفرنسيين في المغرب

أقدِّمُ مذكرة خصوصية إلى أعضاء اللجنة وأطلب إلحاقها بمحضر هذه الجلسة.

– بيكار أيضا: يعتقد المحامون الفرنسيون في المغرب أن الغرض الذي يرمي إليه هو إنشاء عدلية فرنسية في البلاد البربرية، وتطبيق العرف المحلي الذي تجتهد الإدارة وتحاول تطويره وتوجيهه، في طريق المدنية الحديثة، ويلفتون نظر اللجنة إلى ضرورة متابعة إصلاح العدلية الشريفة، في نفس الوقت الذي يتابع فيه إصلاح العدلية البربرية، وهم يخشون أن يكون إنشاء المحاكم العرفية البربرية الخالصة، مضرا بإصلاح العدلية الشريفة، وتوجيهها توجيها فرنسيا خالصا.

– كنطار: يظهر لي أنه يمكن منذ الآن إقامة محكمة فرنسية في الخميسات دون مانع من ذلك.

– كورديـي: هذا المثل الأعلى في الإصلاح الذي ينحصر في إقامة المحاكم الفرنسية بين البربر هو شيء ثابت في أذهان جميع الحاضرين هنا، وسأصير مرتبكا إذا أنكرت أصلي، لكننا نصطدم بالاستحالة المطلقة، والإصلاح المرغوب الآن لا يمكن أن يكون في جوهره إلا مؤقتا، وإذا فرضنا أن السلطان قبل أن ينيب العدلية الفرنسية عنه، في سلطته القضائية، فكيف يكون تدبير وتنظيم الحياة القضائية للبربر؟

إنه لا يظهر لي ممكنا الآن إقامة العدلية الفرنسية بين هؤلاء القوم، وإذا استغلنا بواسطة مندوبي الحكومة، فإننا سنصل شيئا فشيئا، إلى تقليل الصعوبات التي تواجهنا اليوم.

ثم جرت مناقشات عديدة في مواد مشروع الظهير، وأخيرا وافقت عليه اللجنة، وقد لاحظ كورديـي أن اللجنة قدمت رأيها الفني في مسألة تنظيم العدلية البربرية، وأن اتخاذ التدابير التنفيذية، يرجع إلى الحكومة وأنه يلزم رفع أفكار اللجنة المسجلة في المحاضر الثلاثة مع مشروع الظهير البربري إلى المقيم العام.

وبذلك ختمت لجنة تنظيم العدلية البربرية عملها ورفعت جلستها الأخيرة.

الوحدة المغربية:

عند مقارنة نص مشروع الظهير الذي وافقت عليه اللجنة، ونص الظهير البربري الرسمي الذي نشر يوم 16 مايو 1930 تبين لنا أنهما متماثلان نصا وفصا، ما عدا عبارة واحدة، سقطت من النص المنشور.

***

قام بتعريب هذه الوثيقة بمجرد اكتشافها مؤسس

“الوحدة المغربية” الأستاذ السيد محمد المكي الناصري

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر: وثائق “الوحدة المغربية” (جريدة كانت تصدر بتطوان، أواخر الثلاثينيات، كلسان لحزب الوحدة والاستقلال. وقد جاءت في الطبعة الثانية من كتاب (فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى) ص137-157 طبعة 1993.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
26°
الخميس
24°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة