محلل اقتصادي يفكك ظاهرة الثراء في المغرب

هوية بريس-متابعات
قال الدكتور إدريس الفينة، المحلل الاقتصادي، إن فهم ظاهرة الثراء في المغرب لا يمكن أن يقتصر على قراءة الأرقام والمؤشرات المالية فقط، معتبرا أن الثروة تتجاوز حدود المال والعقار والشركات والأرصدة البنكية لتشمل المكانة الاجتماعية والرأسمال الرمزي وشبكات العلاقات والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار والتأثير.
وأوضح الفينة، في مقال تحليلي مطول، أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بتحديد هوية الأغنياء في المغرب، وإنما بفهم الكيفية التي تُصنع بها الثروة ومصادرها وآليات انتقالها بين الأجيال، وما إذا كانت تعكس الإنتاج والابتكار أم أنها ترتبط أحيانا بالامتيازات والفرص والولوج إلى المعلومة ومراكز النفوذ.
وأشار إلى أن العقار يظل أحد أكبر مصادر تكوين الثروة في المغرب، حيث تمكن العديد من الملاك من تحقيق مكاسب مالية ضخمة نتيجة التوسع العمراني وتغيير تصاميم التهيئة وإنجاز مشاريع البنيات التحتية والاستثمارات العمومية. وأضاف أن العقار لا يمثل فقط أصلا اقتصاديا، بل يشكل أيضا مصدرا للقوة الاجتماعية والقدرة على الاستثمار والتفاوض والتوريث، غير أن هذا النوع من الثروة يثير تساؤلات حول العدالة في توزيع القيمة المضافة التي تخلقها الاستثمارات العمومية.
وسجل الفينة أن القرب من الدولة ومراكز القرار يشكل بدوره أحد العوامل المؤثرة في صناعة الثروة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه المؤسسات العمومية في منح الرخص والصفقات وتوجيه الاستثمار. وأبرز أن امتلاك شبكة من العلاقات والقدرة على الوصول إلى المعلومات في الوقت المناسب يمنح بعض الفاعلين الاقتصاديين أفضلية واضحة مقارنة بغيرهم، ما يؤدي إلى بروز ما وصفه بـ”الرأسمال العلاقاتي” الذي يساهم في تكوين الثروات وتسريع وتيرة تراكمها.
وفي ما يتعلق بالتجارة والخدمات، اعتبر المحلل الاقتصادي أن الاقتصاد المغربي عرف صعود فئات ميسورة من خلال أنشطة الاستيراد والتوزيع والتجارة الكبرى، أكثر مما عرفه من خلال التصنيع والإنتاج. وأوضح أن الربح التجاري غالبا ما يكون أسرع وأقل مخاطرة مقارنة بالاستثمار الصناعي الذي يتطلب موارد مالية وتكنولوجية وبشرية أكبر.
كما لفت إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يؤدي دورا مزدوجا داخل المجتمع المغربي، إذ يشكل وسيلة للعيش بالنسبة لفئات واسعة، لكنه يتيح في الوقت نفسه فرصا لتراكم الثروة خارج المنظومات الضريبية والرقابية الرسمية، ما يجعل جزءا من الثروة غير ظاهر في الإحصائيات الرسمية رغم تجلياته في أنماط الاستهلاك والإنفاق.
وتوقف الفينة عند التحولات التي شهدها القطاع الفلاحي خلال العقود الأخيرة، مشيرا إلى أن الزراعات الموجهة للتصدير والضيعات الكبرى والفلاحة العصرية ساهمت في بروز ثروات مهمة، خصوصا لدى الفاعلين القادرين على التحكم في الأرض والماء والتكنولوجيا والأسواق. غير أنه نبه إلى أن هذا النموذج يطرح تحديات مرتبطة بالاستدامة البيئية والاجتماعية، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية.
وفي سياق آخر، أبرز أن الهجرة لعبت دورا محوريا في بناء الثروة لدى العديد من الأسر المغربية، من خلال تحويلات مغاربة العالم التي ساهمت في تحسين ظروف العيش وتمويل مشاريع عقارية وتجارية وتعليمية. لكنه اعتبر أن جزءا كبيرا من هذه الموارد توجه نحو الاستهلاك والسكن أكثر من توجيهه نحو الاستثمار المنتج القادر على خلق القيمة وفرص الشغل.
وأكد الفينة أن التعليم والمهن الحديثة باتت تمثل مسارا جديدا لبناء الثروة، خاصة في مجالات الطب والهندسة والاستشارات والتكنولوجيا والخدمات المالية، غير أن هذا المسار ما يزال أقل تأثيرا مقارنة بمسارات العقار والتجارة والريع، بسبب محدودية الفرص المتاحة أمام الكفاءات وصعوبة تحويل المعرفة إلى ثروة اقتصادية كبيرة.
وتناول المحلل الاقتصادي مسألة انتقال الثروة بين الأجيال، موضحا أن هذه العملية تتم أساسا عبر ثلاثة مسارات رئيسية تتمثل في العقار والتعليم والشبكات الاجتماعية. وأشار إلى أن الأسر الميسورة لا تورث أبناءها الممتلكات فقط، بل تنقل إليهم أيضا فرصا تعليمية أفضل وعلاقات اجتماعية ومهنية تمنحهم انطلاقة أقوى داخل سوق الشغل والحياة الاقتصادية.
وفي قراءته للتمثلات الاجتماعية للثروة، اعتبر الفينة أن الثراء في المخيال المغربي لا ينظر إليه باعتباره مسألة اقتصادية فحسب، بل كرمز للمكانة الاجتماعية والنجاح، وهو ما يفسر الحرص على إظهار علامات الرفاه من خلال السكن والسيارات والتعليم الخاص والسفر وأنماط الاستهلاك المختلفة.
وشدد على ضرورة التمييز بين الثروة المشروعة المبنية على الإنتاج والاستثمار والمخاطرة، والثروة الناتجة عن الريع أو الاحتكار أو الامتيازات غير المتكافئة. وأوضح أن الإشكال لا يكمن في وجود الأغنياء بحد ذاته، وإنما في طبيعة المسارات التي تؤدي إلى تكوين الثروة ومدى مساهمتها في خلق القيمة وفرص الشغل ودعم الاقتصاد الوطني.
وحذر الفينة من تراجع الحراك الاجتماعي إذا أصبحت الثروة الموروثة أكثر تأثيرا من الثروة المكتسبة بالعمل والكفاءة، معتبرا أن ضعف المدرسة العمومية وتفاوت الفرص التعليمية يؤديان إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بين الأجيال.
وخلص إلى أن المغرب في حاجة إلى نموذج اقتصادي يجعل الثروة مرتبطة بالإنتاج والابتكار والتكنولوجيا والصناعة والتصدير أكثر من ارتباطها بالعقار والامتيازات والريع، مؤكدا أن إصلاح علاقة المجتمع بالثروة يشكل جزءا أساسيا من إصلاح النموذج التنموي، وأن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء اقتصاد يكافئ العمل والكفاءة ويتيح فرص الصعود الاجتماعي أمام جميع الفئات.



