مكناس.. فعاليات حفل تخرج أساتذة التربية الإسلامية للسنة التكوينية 2025-2026

هوية بريس – مروى كمراني*
فرع مكناس / المسلـــك: الثانوي الإعدادي / التخصــص: التربية الإسلامية
تقرير تركيبي حول فعاليات حفل التخرج
للسنة التكوينية 2025- 2026
إعداد الخريجة مروى كمراني
الجمعة2صفر1448هـ/ 17 يوليو 2026م
في أجواء مفعمة بمشاعر الفخر والاعتزاز ومعاني الأخوة والرسالية، وبنبرات تختزل سنة كاملة من العطاء والتحصيل والتكوين والتأهيل، شهد فضاء المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس-مكناس (فرع مكناس) في هذا اليوم المشهود، المحطة التاريخية الختامية لـ “فوج التسعيني” -الأمل والصفوة والتميز- متمثلة في حفل التخرج البهيج لأطر ومدرسات ومدرسي المستقبل للسنة التكوينية 2025-2026م. ولم يكن هذا الحفل مجرد ختام روتيني لسنة تكوينية، بل كان ميلاداً وانبعاثا لجيل جديد يحمل مشعل التنوير وبناء الإنسان، مصداقاً لقول الشاعر:
إذا غامرت في شرف مروم….فلا تقنع بما دون النجوم
حيث كانت البداية آسرة للقلوب مع حلول الساعة الخامسة والنصف مساءً بتوافد الضيوف الكرام، والأساتذة الأجلاء، والآباء والأمهات الأفاضل إلى قاعة الأساتذة التي خُصصت كمحطة أولى مريحة ودافئة تنبض بروح العائلة الواحدة؛ حيث التقت الأسر وتبادلت الأمهات السلام والتعارف والورود تزين الأيدي والوجوه بفرحة غامرة بعد طول سهر وانتظار. وبعد صلاة العصر، انتقل الجميع في نظام بهيج صَوْبَ قاعة الحفل الكبرى، ليتشكل عند مدخلها ممر شرفي مهيب حُفّ بالوقار والتصفيق الحار، حيث اصطف الأساتذة الأجلاء من الذكور في جهة والإناث في الجهة المقابلة، ليمر الضيوف والأولياء من بين أيديهم في الوسط وسط زغاريت الأمهات التي هزت جنبات المكان وأهازيج الأمداح والترحيب البالغ، حيث استُقبل الجميع بالتمر والحليب والصلاة على الحبيب، تعبيراً عن الأصالة المغربية الكريمة والترحاب البالغ الذي يليق بمقامهم العالي.
وسط هذه الأجواء المهيبة التي ملأتها المحبة والافتخار والتقدير، ذلف إلى القاعة السادة المسؤولون والمؤطرون، يتقدمهم المدير د. محمد التيمي، المكلف بتدبير وتسيير الفرع الإقليمي للمركز بمكناس، والأستاذ محمد شاكر المودني رئيس شعبة التربية الإسلامية، إلى جانب ثلة من الأساتذة الفضلاء: الأستاذ عبد العزيز الإدريسي، والأستاذ حسن بوكبير، والأستاذ أحمد عزيوي، والأستاذ عبد الجليل بوسيف، والأستاذة إيمان السلاوي والأساتذة المستقبلون، لتكتمل لوحة الحضور وتغص القاعة بفيض من مشاعر الفخر، متبوعة بدخول خريجي وخريجات الفوج كأبطال يحملون الأمانة والرسالة في أجوائهم الرائعة.
وافتُتح الملتأم التربوي والمحفل العلمي بآيات بينات من الذكر الحكيم، تلاها الخريج أنس عزيوي بصوت شجي ورائع ملأ القاعة طمأنينة وخشوعاً نزلت بها السكينة على القلوب، ليأتي ميعاد الملحمة الوطنية الكبرى؛ حيث وقف الحضور وقفة رجل واحد، هبّت لها النفوس في جو مهيب يملأه الجلال والوقار الشديد. لقد كانت القاعة تهتز بصوت واحد، والكل يردد النشيد الوطني المغربي بقلب حيّ، تنبض عروقه بحب الوطن والولاء للمقدسات، في لوحة وطنية آسرة بتأطير من الأستاذ عبد الإله شبوكرفقة كورال الفردوس، تزامناً مع عرض صور رقمية معبرة عبر الشاشة زادت من مهابة الموقف وروعته في نفوس الحاضرين.
ثم توالت الكلمات الرسمية والترحيبية لتعبر عن عمق المسار، واستهلها السيد المدير المكلف محمد التيمي بكلمة قيمة شكر فيها “فوج التسعيني” كما سماه الأستاذ الفاضل عبد العزيز الإدريسي، وأشاد بهذا الفوج المتميز، تبعه الأستاذ محمد شاكر المودني باستعراض حصاد السنة وعطائها التربوي وشكر الأساتذة المكونين، ثم ألقيت كلمة باسم الأساتذة المستقبلين ترحب بالخريجين في مشوارهم الميداني من طرف د.عبد الرحيم ساسيوي، لتأتي كلمة الخريجين ملخصةً في طياتها أن التخرج ليس أوراقاً تعلّق بل عهود تُعلّق في الأعناق وأن الرحلة أعادت صياغة شخصياتهم من لحظة الدخول الممزوجة بالخوف إلى لحظة الخروج المفعمة بالأمان والمسؤولية من طرف الخريج عبد الرحمن بنغنوا والخريجة أميمة بلمقدم، وتلتها فقرة “بر الوفاء في حق الوالدين” فكانت كلمات تلمس الحق مست شغاف القلوب وأبكت العيون اعترافاً بصناع النجاح الحقيقيين، إذ كان الحفل في حقيقته حفل الآباء والأمهات الذين يستحقون الوقوف على منصة التتويج قبل أبنائهم من طرف الخريجتين سعاد البحرواي وفاطمة الزهراء نوصير.
ثم حانت اللحظة الأكثر تأثيراً وعمقاً في الحفل؛ لحظةُ عرض الشريط التوثيقي المعبر الذي اختزل سنة كاملة من العطاء والبذل للأساتذة المستقبلين، فكان بحق مرآةً لرحلة التكوين التي عشناها خطوة بخطوة. رجع هذا الفيديو بالعقول والقلوب إلى أولى المحطات، منذ ذلك اليوم المشهود الذي وضعنا فيه أقدامنا لأول مرة داخل المركز واستقبلنا فيه الأساتذة المكونون بحفاوة بالغة بالحليب والتمر، وصولاً إلى آخر يوم تم توديعنا فيه بالحليب والتمر أيضاً؛ وكأن اليوم يعيد نفسه ولكن بأرواحٍ مغايرة. تنقل الشريط بين تذكار الندوات العلمية، والعروض التربوية التي صُقلت فيها الأفكار، والدروس النظرية داخل القاعات التي شهدت إبداع الفوج، لينتقل بنا إلى التداريب الميدانية في المؤسسات التعليمية، حيث تحول العلم من الأوراق إلى الواقع وصرنا نرى القسم بعين الأستاذ الممارس، ليعرج بنا الشريط على اللحظات الحاسمة ونحن نجتاز آخر اختبار وامتحان بصفتنا خريجين. لقد كان العرض رائعاً ومؤثراً إلى أبعد حد، جعل كل واحد منا يستحضر المقارنة الإنسانية الرهيبة في مسيرته؛ فبين جدران هذا الشريط رأينا أنفسنا كيف دخلنا هذا الصرح وفي قلوبنا خوف وتوجس من ثقل المسؤولية، وكيف نغادره اليوم خريجين وفي قلوبنا أمل دافق، وأمان وثقة، ورسالة مقدسة تعهدنا بحملها وتأديتها على أكمل وجه، هذاالشريط كان بتعليق من الخريج أسامة منيع والخريجةزهرة بوجيوجيةوتوضيب الإعلاميالمقتدر عبد الخالق مريطة.
عقبت هذا المشهد الإنساني البديع وصلة فنية من طرف كورال الفردوس، بأصوت شنفت الآذان وحلّق بالأرواح في سماء الروحانيات، أضفت طابعاً نورانياً ساحراً يدخل النفس في عالم جميل من الصفاء والوجد، ليليه تقديم الحقائب التربوية وعرض إنتاجات الفوج أمام الحضور ليستفيد منها أساتذة المستقبل. من طرف الخريج عادل عمران.
وفي فقرة ملهمة ولها أثر عميق جداً وبثت الأمل في النفوس، تم تقديم الجزء الأول من قصص النجاح كمعالم كفاح، واستهلها الخريج مصطفى گرميط بقصته المؤثرة (في فوجنا دكتور) مبرزاً كيف تذلل الهمة العالية صعاب الجمع بين البحث الأكاديمي الرصين والتكوين المهني الشاق، ثم الخريجة فاطمة الزهراء الخياري بقصتها (الناجحون لا يستسلمون) لتؤكد بكلماتها أن العقبات ما هي إلا جسور للعبور وأن شعلة الأمل لا تنطفئ في قلب مؤمن، والتي اجتازت مباراة التعليم سبع مرات، لتكون هذه القصص مواعظ تربوية بليغة تؤكد أن العزيمة الصادقة تذلل كل عسير، وحافزاً يسجل من خلاله كل فرد قصته المؤثرة لتكون شعلة تضيء طريق الآخرين.
ليتكامل هذا العطاء الإنساني مع فقرة الشعر والخواطر (مشروع الكتاب)، حيث كانت لحظة استثنائية تجلى فيها البيان والفصاحة؛ فاكتست المنصة حلة من سحر الكلام وأطرب مسامعنا فرسان الفوج وبلاغتهم وعبروا عن مشاعرهم، حيث صدح الخريج عمران النباش بكلمات مست الوجدان، وتلاه الخريج محمد السنوسي بأبيات فاضت رقة وعذوبة، ثم الخريج محمد مجاهد بنبرات هزت القلوب، ، ليختم الخريج محمد الزعري هذه اللوحة الأدبية الرفيعة التي صفق لها الحاضرون طويلاً.
وقد رافقت هذا الإبداع مجموعة من الخواطر الراقية، حيث سكب كل خريج عصارة قلبه في خاطرة تعبر عن مشاعره الصادقة وتقلباته النفسية منذ أول يوم في التكوين إلى هذه اللحظة، لتبقى هذه الخواطر ذكرى خالدة محفورة في كتاب الفوج. ثم فُتح الباب للجزء الثاني من قصص النجاح، فعرض الخريج هشام قصته التي اختصرت معاني الصبر والتحدي في مجابهة الإكراهات، وتلته الخريجة نبيلة بقصتها البديعة التي جسدت إصرار المرأة المغربية على التميز والعطاء، لتعقب هذه المواعظ الحية الوصلة الإنشادية الرائعة للأستاذ عبد الإله شبوك والمجموعة الصوتية، حيث تعالت الأناشيد التربوية والروحية المتميزة التي زادت من تفاعل وحماس الحاضرين وألهبت القاعة أنساً وبهاءً.

ثم عمت القاعة أجمل اللحظات التاريخية وأكثرها حماساً وتشويقاً عندما انتقل الخريجون إلى القاعة المخصصة لارتداء لباس التخرج، فكانت تلك القاعة أشبه بخلية نحل يمتزج فيها الفرح بالهيبة والسعادة بالبهجة، و كانت الكواليس أجواء رائعة لا تفيها الكلمات حقها، حيث يشد الصديق أزر صديقه ويساعده في وضع القبعة وتعديل الوشاح، والكل ينشد بقلب واحد وبصوت ملأ الآفاق والضمائر نشيد التحدي “سوف نبقى هنا”، والابتسامة مرسومة في عيونهم قبل وجوههم، وسط التقاط أروع الصور والفيديوهات التذكارية.
وتجسيداً لعظمة اللقاء، تراص الخريجون بعدها في صفين منتظمين ومتوازيين؛ صف من الذكور خلف بعضهم وصف من الإناث يمسك أساتذتهم الأجلاء بأيديهم في تلك اللحظة الجميلة التي تفيض براً ووفاءً، وعند فتح الباب الخلفي ودخولهم القاعة بترتيب رائع، وقف الحاضرون جميعاً يصفقون بحرارة وقف المجد لها إجلالاً، واشتعلت القاعة بزغاريت الأمهات وصعد الخريجون والخريجات إلى المنصة في لوحة فنية ساحرة تجمع بين جيل العطاء وجيل الوفاء، وضمت أساتذة المستقبل بالمكونين والأساتذة المتقاعدين وسط فخر عارم ملأ عيون الأمهات بدموع الفرح والافتخار بأن أبناءهم وبناتهم غدوا منارات علم ومصابيح نور.
وفي هذه الذروة الرمزية البديعة، جرت مراسم تسليم المشعل بواسطة أصغر خريجة في الفوج سارة الأنصاري، من طرف الأستاذة المتقاعدة سعيدة مواج التي أمضت أكثر من ثلث قرن في تدريس المادة، ليتلوها تكريم الأساتذة المكونين المتقاعدين والاعتراف بجهودهم المشرفة بتقديم الدروع والهدايا في جو رائع وتصفيقات حارة، متبوعاً بأداء القسم المهني بشكل جماعي في وقار وعظمة يردده الخريجون بصوت واحد خلف الخريج المهدي الراجي يجدد عهد الرسالة، وصعد بعدها الطلبة تباعاً لاستلام شهادات نهاية التكوين من أيدي أساتذتهم المشرفين على نغمات أناشيد التخرج الحماسية، والتقطت الصور الجماعية التذكارية للفوج بالشهادات في لوحة فنية رائعة جمعت الأساتذة وطلابهم، ليعلنوا رسمياً خريجين وخريجات وفي ذروة الفرحة رُفعت القبعات عالياً إلى السماء مع ضحكات نابعة من الأعماق تلامس عنان السماء.
وتوج هذا الحفل التاريخي بكلمة ودعاء الأستاذ الفاضل أحمد عزيوي، والتي حركت كلماته المليئة بالعبر والموعظة القلوب عندما تحدث بصدق أثر في الجميع عن صعوبة وداع القسم والتلاميذ بعد تقاعده وأنه كان يجد راحته وفرجته دوماً بينهم ولم يشعر يوماً بضجر أو كره للقسم، بل كان القسم موطن سعادته، فدعا بخشوع يلامس القلب بالتوفيق للخريجين وللأمهات والآباء وصلاح الأوطان مفيضاً على القاعة سكينة ونوراً ونزولاً للفرح.
وفي لحظة عرفانية عنوانها المحبة والوفاء قام الأستاذالمكون عبدالعزيز الإدريسي بتقديم هدية رمزية للأستاذ الفاضل محمد شاكر المودني ذات دلالاتعميقة تقديرا لجهودهفي خدمةالشعبة خلالترؤسه لها، والتي كان لها وقع طيب على الجميع.
وتحول المحفل بعدها إلى حفلة شاي وحلوياتمغربية مكناسية متميزة أقيمت على شرف الجميع لتخفيف شدة المشاعر، لتأتي اللحظة الأصعب بالتقاط الصور الأخيرة مع الأصدقاء والعائلات، وهنا انهمرت دموع الفراق الممزوجة بلوعة الوداع، فما أصعبه من وداع بعد أن تعانقت الأرواح في رحلة العلم والطلب وبكى الأحبة لفراق بعضهم البعض بعد أن صاروا جسداً واحداً في هذا المركز، ليغادر الجميع وبصمات الأيام محفورة في سويداء قلوبهم وعزيمة صادقة على حمل الأمانة.
إن هذا الوداع ليس نهاية للمسير، بل هو انبثاق لغرس جديد يمتد في فجاج هذا الوطن المعطاء، وستبقى أيام مكناس قدس المغربولياليها سراجاً منيراً في الذاكرة لا يمحوها تقادم العهد، مصداقاً لقول الشاعر في لوعة الفراق:
قِف عِندَ مَنزِلِنا المَأهولِ وَاِبكِ مَعاً … عَهداً جَديداً مَضى لَم يَبقَ مَعلومُ
لَعَلَّ النَّوى تَثني لَنا الحَبلَ بَعدَما … تَقَطَّعَ والوُدُّ الَّذي كانَ يَدومُ
وفي هذه اللحظات الفاصلة التي نودع فيها محراب التكوين، يطيب لـ “فوج التسعيني” بكل مكوناته، أن يرفع أسمى عبارات الشكر والامتنان والتقدير الوافر إلى إدارة المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمكناس وعلى رأسها الإدارة الجهوية والفرعية، وإلى أطرها الإدارية والتقنية الذين سهروا على تيسير سبلنا. كما نتقدم بجزيل العرفان والثناء للأساتذة المكونين والمستقبلين الأجلاء، الذين لم يبخلوا علينا بعلم ولا نصح وصنعوا منا رجال ونساء تربية يشار إليهم بالبنان.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتوجه بلمسة وفاء واعتراف خاص إلى “الجنود المجهولين” الذين اكتملت بجميل صنيعهم روعة أيامنا؛ ونخص بالذكر حراس الباب الأوفياء الذين استقبلونا بابتسامتهم كل صباح، وعمال النظافة الأفاضل الذين حافظوا على نضارة فضائنا، والقائمين على المكتبة الذين فتحوا لنا أبواب المعرفة بحب وصبر، فجزاهم الله عنا وعن رسالة التعليم خير الجزاء.
وإذ نغادر هذا الصرح بدموع الفراق وعزيمة الانطلاق، نردد بملء الفخر: إذا سُئلنا بعد أعوام طوال: أين ولد المعلم المخلص والمربي الملهم الذي فيكم؟ فسنقول بكل اعتزاز: هنا، بين جدران هذا المركز، وفي رحاب مدينة مكناس الشامخة، لأن الأيام تمضي، والوجوه قد تغيب، والأسماء قد تُنسى، أما الأثر الطيب فهو اللغة الوحيدة التي لا يعرف الزمن كيف يمحوها.
قال الشاعر:
أودِّعكم وأودِعكم جَناني … وأنثرُ أدمعي مثل الجمانِ
ولو نُعطى الخيار لما افترقنا … ولكن لا خيار مع الزمانِ
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مراجعة وتدقيق د.عبد العزيز الإدريسي.



