مهرجانات للخمور بغطاء فني.. حين تُستباح الفضاءات العمومية بالدار البيضاء

02 يوليو 2026 21:46

مهرجانات للخمور بغطاء فني.. حين تُستباح الفضاءات العمومية بالدار البيضاء

هوية بريس – نبيل بكاني

تُشكل الفضاءات العمومية في أي مدينة متحضرة القلب النابض الذي يجسد قيم المواطنة والمساواة والتنشئة الاجتماعية السليمة. لكن، يبدو أن مدينة الدار البيضاء تسير بخطى حثيثة نحو “تسليع” هذه الفضاءات وتحويلها إلى جزر معزولة، تُحتكر من طرف وكالات خاصة تفرض تذاكر باهظة تُقصي الساكنة المحلية، وتُفرغ هذه المرافق من وظيفتها الأساسية لصالح أجندات تجارية بحتة، تتغطى بعباءة الفن والثقافة لتمرير سلوكيات تتصادم مع القانون وتستفز هوية المجتمع.

الحديث هنا ليس عن أراضٍ خاصة أو فضاءات فندقية، بل عن مشاريع شُيدت بأموال دافعي الضرائب؛ كفضاء “فيلودروم” التاريخي الذي كلف تأهيله 30 مليون درهم، و”أنفا بارك” المملوك لصندوق الإيداع والتدبير والممول من المال العام. لقد كان يُفترض أن تكون هذه المتنفسات ملاذا آمنا للأسر والأطفال، لكنها أضحت اليوم محتكرة من طرف وكالة تجارية ربحية خاصة واحدة  محظوظة تُدعى “Seven PM”، لتتحول بمناسبة مهرجانات مثل “Nostalgia Lovers ” بالفيلودروم (بين 18 و20 يونيو الماضي)، ومهرجان  “Casa Anfa Latina”، وفعاليات أخرى مثل “Anfa Park en Fête” و”Village Casa Anfa”، وصولاً اليوم إلى مهرجان “JAZZABLANCA” (من 2 إلى 11 يوليوز الجاري بـ “أنفا بارك”)، إلى مرتع لانتشار المقاصف والحانات العشوائية التي تتفشى كـ “الأورام” في ممرات الفضاء العمومي.

إن المخطط الرسمي لدورة مهرجان “جازابلانكا” الحالية يعلن بوضوح عن إقامة ما لا يقل عن تسع (9) حانات مفتوحة، لم تعد مقتصرة ـ كما جرت العادة ـ على مناطق كبار الشخصيات (VIP) المعزولة، بل تمددت لتستقبلك في المداخل الرئيسية، وتخترق أجنحة التسوق والترفيه والمأكولات والمشروبات الاعتيادية ومناطق لعب الأطفال. هذا التواجد الفج للخمور يطرح تساؤلات خطيرة حول “التطبيع البصري والنفسي” للأطفال مع هذه المظاهر، في استهتار تام بالضوابط الأخلاقية والاجتماعية.

هذا العبث يقودنا إلى مساءلة صانع القرار المحلي، وتحديدا سلطات عمالتي مقاطعة الحي الحسني ومقاطعات أنفا؛ فكيف يتم الترخيص لبيع الكحول في نقاط متعددة ومفتوحة داخل مرفق عمومي، على نحو يخالف دفاتر تحملات هذه المرافق التي تمنع بيع المشروبات الكحولية أو الممزوجة بالكحول، دون اتخاذ أي تدابير فعلية لحماية الفئات الهشة؟

إن السلطة حين تمنح رخصة، فهي لا تمنح “تذكرة تفويض” للمنظمين يفعلون بها ما يشاؤون، بل تصدر قراراً إدارياً سيادياً يخلق أثرا، يفرض على مستغله التقيد الصارم بمجموعة من الشروط والقواعد. إن منح الرخصة يعطي للسلطة الحق، بل والواجب، في ولوج المكان ومراقبته. فلماذا يغيب أعوان السلطة والأمن العمومي داخل هذه الفضاءات المسيجة؟

إن غياب التغطية الأمنية الميدانية داخل المهرجان، والاكتفاء بحراس الأمن الخاص الذين لا يملكون صفة الضبط القضائي، يعد تقصيراً في إنفاذ القانون. فنحن هنا أمام خروقات دستورية وقانونية صريحة؛ بدءاً من الفصل 21 من الدستور الذي يُلزم السلطات العمومية بضمان سلامة السكان، مروراً بالقانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء (في ظل ارتفاع مخاطر التحرش الناتجة عن السكر البين المفتوح)، ووصولاً إلى الخرق السافر للفصل 28 من القرار رقم 3.177.66 الصادر سنة 1967، والذي يمنع منعاً باتاً بيع أو تقديم المشروبات الكحولية للمغاربة المسلمين.

تزداد فداحة هذا الوضع حين نستحضر التوقيت، حيث تتزامن هذه المظاهر مع حلول شهر محرم الحرام، وفي تناقض صارخ مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، وعلى رأسها خطة “تسديد التبليغ” التي أطلقها أمير المؤمنين جلالة الملك لحماية الأمن الروحي للمغاربة وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية ودعا مؤسسات المحيط للانخراط في تنزيلها.

أمام هذا الوضع المختل، يطرح سؤال الحكامة نفسه بحدة: هل ستتدارك السلطات الترابية تقصيرها الرقابي وتوفد قوات الأمن العمومي لتأمين هذه الفضاءات حاليا ومستقبلا؟ وإلى حين ذلك، تبقى الأنظار متجهة نحو مؤسسة النيابة العامة، ممثلة في السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، والذي يمتلك، بصفته رئيساً للضابطة القضائية وممثلا للحق العام، كامل السلطة والصلاحية لإعطاء أوامره الصارمة بإيفاد دوريات أمنية مرابطة داخل فضاءات هذه المنتزهات العمومية، لفرض احترام القانون، وحماية الأسر والأطفال، ووقف هذا الزحف الكحولي الذي يختبئ بجبن خلف لافتات الفن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  فاعل في مجال الحكامة والمشاركة المواطنة، ومدير مركز حماية الحقوق الاجتماعية والاستراتيجيات الإنمائية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
27°
32°
الجمعة
32°
السبت
32°
أحد
30°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة