وداع فارس القرآن.. رثاء يوسف حميتو لأخيه العلامة عبد الهادي

12 مارس 2026 14:06

هوية بريس-متابعات

في كلمات يفيض منها الحزن والإجلال، يرثي يوسف حميتو أخاه الراحل عبد الهادي حميتو، “فارس القرآن” و”علامة العلم”، الذي انطفأ ككوكب من سماء العائلة. يصف يوسف فقده بألم يعصف بالروح: “وا وحشتاه لقلب أضحى بعده خاويا، ولعين باتت في أثره باكية!”، مشبها إياه بمحراب الروح المنهار.

 

وإن دموعي إثره لكثيرة..
لو أن الدموع والبكاء يريح
يا لله! أي جلال انطوى، وأي جمال غيبه الثرى؟ رحل أخي عبد الهادي، فانطفأ من سماء العائلة كوكبها، وانهدم من دار الروح محرابها، فوا وحشتاه لقلب أضحى بعده خاويا، ولعين باتت في أثره باكية!
ألا بات من حولي نياما ورقدا..
وعاودني حزني الذي يتجدد
وعاودني ديني فبت كأنما..
خلال ضلوع الصدر شرع ممدد

بأي خصالك أفضي إلى الخلق؟ وبأي لسان أتحدث عنك في محافل الثاكلين؟
أأرثيك بلسان الأخ المفجوع، أم بلسان التلميذ الذي يُتم في منبع علمه؟ فقد كنت طالبك الذي يرقب شفتيك وهما تقيمان بالأصول، وتفصلان في الفقه، وتسردان الحديث، وتغوصان في دقائق التفسير؛ فكنت لي المنهل الصافي قبل أن أعرف المناهل، والقبلة الأولى قبل أن تتعدد الوجهات.
فإن ذكر القرآن، فأنت فارس ميدانه، والمُجَلي في حلباته، تلوته بقلب كأنما تتنزل عليه السكينة غضة طرية؛ وإن ذكر المصحف، فأنت الحافظ لرسمه، البصير بنقشه الذي على قلبك، وكأن جلدك قد كسي آياته رقة. وإن ذكرت القراءات القرآنية، كنت وريث الإمام نافع فيها، وكأن أبا عمرو الداني، وأبا القاسم الشاطبي قد استخلفاك عليها، فأنت مرجعها الأسمى علما، وإمام وجوهها الأنمى فهما؛ تقنت في محاريبها بصدق الرواية، وتجمع بين شتات طرقها ببراعة الدراية؛ فكأن ابن مجاهد قلدك الأحرف السبعة حتى قد صارت في لسانك حرفا واحدا من النور، وكأن أسانيد القراء الأوائل قد انتهت إليك علوا وضبطا وتحقيقا.
وإن ذكرت اللغة، فكأنما استخلفك الخليل، وأوصى إليك سيبويه والفراء والمبرد وابن جني، فكنت فيها المنيع حمًى، المتمكن قيادا؛ فأنت في نحوها وصرفها كأنك جعلك ابن مالك الميزان الذي لا يميل، والصواغ الذي يسبك القوالب من جمان البيان، وفي بلاغتها كنت كالجرجاني اللسِن الذي يجمع بين برد اللفظ وحرارة المعنى، وفي فقهها ربيب الثعالبي الغواص الذي يستخرج من مكامن الألفاظ درر الأسرار؛ فكأن لسان العرب قد استجار بك من لحن الزمان فأجرته.
وإن ذكر الأدب، فأنت روحه السارية، وحليته الباهية؛ جمعت بين أدب العقل ببيانه، وأدب النفس بإحسانه، فكنت الأديب الذي يقرأ خلقه قبل قريضه، والموسوعة التي تمشي بين الناس نورا وهدى.
وإن ذكرت المعاجم العربية، فكأن ابن فارس، والجوهري، وابن منظور، والزبيدي ورثوك إرثهم، فأنت الحافظ لها، السارد لما في بطونها، كأن صفحاتها تتراءى أمام عينيك منشورة لا يغيب عنها حرف، يسوق موادها سوق من بصر بأسرار الكلم، وكأن اللسان والقاموس مكتوبان على صفحة قلبك رأي العيان.
وإن ذكر الشعر، فأنت قبس نوره وعذوبة نميره؛ فقد انقادت لك أعنة بحوره، من حَرونها الطويل إلى حمارها الرجز، فما استعصى عليك قريض، ولا ندت عنك قافية، بل كنت تسكب الروح في قوالب اللفظ فتغدو قصائده مآثر ترويها الرواة.
أما إن رثيتك بلسان الأخ، يا أخي..
فإن ذكر البر، فما رأيت مثلك في برور الوالد، حتى عجزنا أن نجاريك أو ندانيك؛ فكنت الولد الذي محا بجميل صنيعه كدر السنين عن وجه أبينا.
وإن ذكر الوفاء، فلا والله ما رأيت أوفى منك لشيوخه وطلبته وأصحابه.
وأما العهد، فأنت العهد الذي لا يعتريه نكث، نقي المآزر، زكي الخواطر.
وإن ذكر الجود والكرم، كنت حاتِمه، بل تزيد! تعطي الوفير على الطلب اليسير، وتجود بالخلاصة لمن يبتغي القشر؛ ولقد شهدنا لك مواقف ضربنا فيها الأكف بالأكف عجبا من جودك، وكيف قهرت نفسك على الشح الذي جبلت عليه النفوس، فاستحالت يدك غيما لا ينقطع وبله.
وإن ذكرت السماحة، كنت أحْنَفَها، بل تفوق؛ فوالله ما رأيت أحلم منك ولا أصبر على مخالطة الناس وأذاهم؛ تتسع روحك لما تضيق به الفلوات.

وإن ذكرت الأخوة، فقد رعيتها فينا نحن بني أبيك حق رعايتها، رعاية من قلده الله رعية يخاف الله فيها وعليها؛ فكنت لنا الأب بعد الأب، والحمى الذي لا يستباح.

يا رابع الأقمار التي غابت عن دارنا؛ يا لهف نفسي! بيني وبينك سدود من الفلوات والبحار. قدري أن أزف إلى الأرض كل سنة حبيبا، وفي هذه السنة وفي شهر واحد أزف إليها حبيبين، وكأنني غريب يقتات على ذكريات الراحلين. قدري أن أشهد مصرعي على البث المباشر في مصرعك أنت على وجه الخصوص، لقد كانت شاشة الهاتف الصقيلة مقصلة لروحي، وكان كل مشهد فيها سكينا تتغلغل في الحشا. لم تحث يدي عليك التراب، نعم، ولكن روحي كانت تذوب مع كل طوبة توضع على لحدك لتغطيك، وتتفتت مع كل ذرة تراب على رمسك لتواريك، فكأن القبر لم يحفر في بطن الأرض، بل حفر في سويداء فؤادي! كفى أسفا للقلب أن المسافات قد قيدت يدي عن لثم جبهتك، وكفى حزنا أنني كنت أرقب مواراتك، وكأن تلك اليد التي لم تصل إليك قد قطعت من الزند حين غيبك الثرى.

وإني، إذا قالوا مضى لسبيله … وهيل عليه الترب من جانب اللحد
كساقطة إحدى يديه إزاءه … وقد جبها صرف الزمان من الزند
أبكيك، وليت البكاء يمحو غصة المهاجر، أو يطفئ لوعة العاجز؛ وأعوذ بالصبر الجميل إيمانا، لو كان في فقدك للصبر موضع. نم قرير العين يا أخي، فقد صبرت عنك مكرها لا شبعا من لقياك، ورضيت بالقضاء إيمانا، وسيبقى ذكرك في دمي ما تردد نفس في صدري، وموعدنا عند رب رحيم لا تضيع عنده الوفاء.
صبرت عنك فلم ألفظك من شبع..
لكن أرى الصبر أولى بي من الجزع

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد
25°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة