النضـال بالقـبــل

14 أكتوبر 2013 14:29

ذ. نبيل غزال

هوية بريس – الإثنين 14 أكتوبر 2013م

أمام قبة البرلمان وبعد أسبوع عن إعلان نشطاء عزمهم تنظيم “وقفة البوسان” تضامنا مع تلاميذ الناظور المعتقلين على خلفية تبادل القبل؛ أقدم بعض الشباب المنتمين إلى (حركة مالي) وغيرها على الاحتجاج بتبادل القبل في أهم شارع في المملكة، وعلى مرأى ومسمع من المارة ومن وسائل الإعلام التي كانت حاضرة توثق هذا المشهد المستفز غير مسبوق، والذي كاد أن ينتهي نهاية دموية.

فالخطوة التي أقدم عليها هؤلاء المراهقين المتشبعين بأفكار علمانية متطرفة كان من الممكن أن تكون لها عواقب سيئة؛ وتقود إلى انزلاقات لا تحمد عقباها، ففي غياب تام لتواجد رسمي لقوات الأمن الذين اعتدنا منهم التواجد دوما في هذه المنطقة وغيرها خلال تنظيم بعض الوقفات الاحتجاجية، تَدخَّل بعض الشباب الذين ثاروا ضد ما شاهدته أعينهم من مشاهد مستفزة ومخلة بالحياء، فأثنوا المُقبِّلين والمُقبِّلات عن التمادي في غيهم، ولجأوا إلى الاحتجاج المضاد والعنف كوسيلة أخيرة في غياب تام لتواجد السلطة في عين المكان.

فما أقدمت هذه المجموعة من النزقين على المخالفة الصريحة والواضحة للقانون، واستفزاز مشاعر الناس، والسعي إلى خلق الفتنة بين الناس؛ إلا بعد أن تأكدت أن وراءها العديد من الجمعيات الحقوقية والمنابر الإعلامية والأحزاب السياسية والمنظمات الغربية؛ التي تدعم هذا التوجه وتوفر له الغطاء.

ويكفي أن نعلم أنه مباشرة بعد أن تقدمت جمعية حقوقية بمدينة الناضور بشكاية إلى النائب العام لفتح تحقيق حول الصور المنشورة بداعي الإخلال بالحياء العام؛ وبعد متابعة التلميذين اللذين تبادلا القبل ومن قام بالتقاط الصورة، هبت الجوقة الإعلامية العلمانية لتغطية الحدث واستغلاله؛ وكتبت منابر الأحداث والصباح.. وغيرهما حول الموضوع؛ وأكدت كعادتها أن القبل أو العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج لا تعد جريمة، وهي حق من حقوق الإنسان وتدخل في إطار الحريات الفردية للأشخاص!!

وخصصت القناة الثانية 2M تقريرا مطولا في نشرة الأخبار؛ لا تخصصه حتى لرئيس الحكومة ووزرائه، مدته 3 دقائق و44 ثانية؛ بثت من خلاله العديد من الرسائل؛ أهمها أن هذا الموضوع أثار (وسائل الإعلام الغربية)؛ وأن من حرك المسطرة القضائية ضد الأطفال هو من يجب أن يحاكم لأنه وفق ما نقلته القناة تجسس على حسابات التلاميذ في مواقع التواصل الاجتماعي!!

وكل الشهادات التي نقلتها 2M في التقرير ودون استثناء تدعم (حرية القبل) وتشجب التعرض للحريات الفردية وفق المنظور اللاديني الذي تدعمه القناة؛ وهو أمر متوقع جدا لأنها تمطرنا يوميا بأكثر من القبل بكثير. 

أما الجمعيات الحقوقية التي تدعم هذا التوجه كـ”بيت الحكمة”؛ فقد عملت كعادتها على التوظيف السياسي لهذه الملف؛ واهتبلتها فرصة لتكرر أسطوانتها المشروخة، وتصدع رؤوسنا مجددا بالمحافظة على المكتسبات الحقوقية، والتترس وراء تسامح المجتمع المغربي لتبرير سلوكات وتصرفات تخالف صريح الدين والقانون والعرف المغربي.

وبعيدا عن كل تشويش أو رسم صورة مثالية لواقعنا؛ فالمجتمع المغربي بكل وضوح ليس بذلك المجتمع المحافظ والمنضبط بضوابط الشرع؛ ولا أحد يمكنه الادعاء أن مجتمعنا لا تنتشر فيه سلوكات مخلة بالحياء والقيم؛ فلا أحد يمنكه المكابرة في ذلك إطلاقا؛ ويكفي الإنسان أن يقوم بجولة بجوار مسجد الحسن الثاني بالبيضاء أو ضفة واد أبي رقراق وقصبة الأوداية بالرباط أو غيرهما من مدن المملكة؛ ليشاهد جحافل المقبِّلين والمقبِّلات، والذين قد تجاوز بعضهم مرحة التقبيل إلى مراحل أخرى أكثر إثارة.

وبالنظر إلى واقعنا الإعلامي والتعليمي والحقوقي والسياسي فلا يعد هذا السلوك مفاجئا؛ خاصة إذا علمنا أن  الإعلام الوطني في معظمه يتبنى خط تحرير علماني، ويسوق لفكر التسيب الجنسي وينشر صور العري والمشاهد المخلة بالقيم والحياء؛ وأن قنوات القطب الإعلامي العمومي تبث يوميا العشرات من المسلسلات التي تنتمي إلى جنسيات متعددة (مكسيكية؛ تركية؛ كولومبية؛ كورية..)، ولا يخفى على ذي عينين ما في هاته المسلسلات من مشاهد ساخنة لا يمكن الحديث إزاءها عن قبلة أو ما شابهها.

فباعتبار هذا الوضع المخزي؛ وغياب منظومة تربوية فعالة، وتقزيم وظيفة المسجد وتحديد المواضيع التي يجب أن يخوض فيها الخطيب والواعظ ومنعهم من التعرض للشأن العام، فالنتيجة الحتمية المتوقعة هي ما نشاهده اليوم من انحراف أخلاقي لدى العديد من الشباب المستهدف بترسانة إعلامية علمانية فسدة ومفسدة.

لكن ما يجب أن نقف عنده ونعيه جيدا هو أن هذه الممارسات المخلة التي يقع فيها بعض الشباب؛ يقعون فيها وهم يدركون أنهم يقترفون أمرا محرما وينتهكون حدود الله، والتحول الذي نعيشه اليوم هو سعي قوى وفعاليات علمانية مدعومة من الداخل والخارج إلى استحلال الزنا واللواط.. وغيرهما وتطبيعهما في المجتمع، باعتبارهما حرية فردية، وهنا تكمن الخطورة.

فهناك فرق كبير بين من يقترف حراما وهو يدرك قبح صنعه ويَتُوق إلى الرجوع عن ذنبه؛ ومن يقترفه وهو مستحل له لا يتحرك قلبه وهو يعصي الله تعالى؛ وأعظم منه من يقع فيه ويجاهر به ويدعو إلى إشاعة هذه الفواحش في المجتمع، فإن {اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمً} النساء:27.

لقد أصاب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فنزل قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} هود:114. فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله، قال لمن عمل بها من أمتي. رواه مسلم.

فالخطأ وارد من كل إنسان؛ ومن وقع في الخطأ تلزمه التوبة على الفور والعودة إلى جادة الصواب، وهذا ما فعله هذا الصحابي حين ذهب إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وسأله عما عليه أن يفعله كي يطهر مما وقع فيه من إثم، فنزلت في حقه آية تتلى إلى يوم الدين.

فكلامنا ليس موجها إلى بعض العصاة الذين يقعون في معاصي ويتمنون التوبة منها، إنما هو إلى متبعي الشهوات ومستحليها، ومن يعمل منهم على تطبيعها في المجتمع؛ وموجه أيضا إلى الجمعيات والحركات التي تدعو إلى الحريات الفردية بالمفهوم اللاديني، فهؤلاء يجدون معارضة كبيرة حتى من طرف الشباب الذين قد يقعون في الزنا، وشرب الخمر، ومعاقرة المخدرات، وهذا السلوك لا يعد نفاقا على الإطلاق؛ كما تثرثر بذلك بعض المنابر في غير ما مناسبة، بل هو معركة يخوضها الإنسان ضد الشهوات والشبهات؛ قد ينتصر فيها مرة وينهزم أخرى، لكن الشيء الأكيد أن اللادينيين قد خسروا المعركة منذ أن عطلوا عقولهم، واستسلموا لشهواتهم، واختاروا النضال لتلبية طلب فروجهم.

[email protected]

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M