كيف فقدت السياسة معناها؟ | ويحمان يكشف كواليس الانتخابات بالمغرب

هوية بريس – متابعات
في مقال جديد، يطرح الباحث في علم الاجتماع السياسي أحمد ويحمان تشخيصاً حاداً لأزمة المصداقية الانتخابية بالمغرب. النص يستعرض مساراً تاريخياً وسياسياً من سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم، ويسأل: لماذا تراجعت ثقة المواطنين في قدرة الانتخابات على التغيير؟ وإلى أي حد فقدت السياسة معناها حين تتغير الوجوه وتبقى قواعد اللعبة ثابتة؟
يأتي مقال ويحمان في لحظة سياسية تتجدد فيها أسئلة المشاركة والعزوف، مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة وما يرافقها من نقاش عمومي حول الثقة والتمثيل والجدوى.
الكاتب لا يناقش تقنية الاقتراع بقدر ما يفتش في المعنى: متى تصبح الانتخابات آلية لتداول الإرادة الشعبية، ومتى تتحول إلى إجراء يختار من “يدبر” ما تقرر خارج دائرة التنافس؟
سياق المسار: من “المسلسل الديمقراطي” إلى سؤال السلطة الفعلية
يستعيد الكاتب تحولات السياسة المغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أعادت قضية الصحراء ترتيب الأولويات الوطنية، وبرز ما سمي بـ“المسلسل الديمقراطي” بوصفه مدخلاً لتوسيع المشاركة وإدماج القوى الوطنية في تدبير الشأن العام.
غير أن السؤال المركزي ظل قائماً: هل كان ذلك انتقالاً تدريجياً للسلطة نحو المؤسسات المنتخبة، أم إعادة تنظيم للمشهد ضمن حدود مرسومة سلفاً، خصوصاً بعد محاولتي 1971 و1972 وأحداث مارس 1973 وما ترتب عنها من تحول في العلاقة بين الدولة والمعارضة؟
“الذين يُنتخبون لا يحكمون، والذين لا يُنتخبون هم الذين يحكمون”!
— الأستاذ أحمد ويحمان.
ينطلق ويحمان من رهانٍ تاريخي حملته قوى وطنية وديمقراطية على “الإصلاح من داخل المؤسسات” عبر العمل البرلماني والنقابي والحقوقي والتراكم الانتخابي، لكنه يقابل ذلك برهاناً مضاداً: استيعاب تلك القوى وإعادة تشكيلها داخل منطق الدولة.
وبصياغة مكثفة، يميز الكاتب بين “دمقرطة المخزن” و“مخزنة الديمقراطيين”، بوصفها مفاتيح لفهم الانسداد الراهن وأثره على صورة الأحزاب والنخب والمؤسسات.
تفاصيل الأزمة: وقائع تزوير ومعطيات “العزوف السياسي” وشهادات من الداخل
يربط الكاتب أزمة المصداقية الانتخابية بتجارب ووقائع ملموسة تراكمت عبر عقود. ويشير إلى بحث ميداني صدر سنة 2007 بعنوان “العزوف السياسي بالمغرب” خلص إلى أن أزمة الثقة ليست طارئة، بل مسار متدرج يمكن رصده علمياً، وهو ما انعكس لاحقاً في مستويات مشاركة ضعيفة كما تكشفها النتائج الرسمية، وفق تعبيره.
ومن الوقائع التي يستحضرها المقال انتخابات 1997، حين أعلن المرشح الاتحادي محمد حفيظ موقفه الشهير “أرفض أن أكون برلمانياً مزوراً” رافضاً الالتحاق بمجلس النواب رغم إعلان فوزه رسمياً، بعد مقارنة محاضر مكاتب التصويت بما اعتبره نتيجة حقيقية لفائدة منافسه.
كما يورد موقفاً مماثلاً للقيادي الاتحادي الراحل محمد أديب. ويمتد الاستدعاء إلى وقائع أحدث، حين أعلن حزب العدالة والتنمية خلال الولاية الجارية رفض احتساب بعض المقاعد التي اعتبر أنها “أُهديت” إليه خارج منطق التنافس الطبيعي، بما يعيد طرح سؤال سلامة الإرادة الشعبية.
ويعزز الكاتب هذا المسار بشهادة أوردها ضمن كتيب “العزوف السياسي بالمغرب” للاقتصادي والأكاديمي الدكتور محمد الحبابي، تتعلق بتمثيل سياسي داخل لجنة لتوزيع “الحصص البرلمانية” بين الأحزاب تحت إشراف وزارة الداخلية آنذاك.
وفي هذا السياق، لا يكتفي المقال بسرد الوقائع، بل يضعها في إطار نقدي يسائل معنى الانتخابات حين تصبح قواعد اللعبة محددة سلفاً.
قراءة في الطرح: لماذا لا يكفي “الإصلاح من الداخل” دون إصلاح القواعد؟
يرى مراقبون أن أهم ما في نص ويحمان هو نقله النقاش من ثنائية المشاركة/المقاطعة إلى سؤال أعمق: هل تستطيع المؤسسات القائمة إنتاج التغيير، أم أن الأولوية أصبحت لإصلاح المؤسسات نفسها حتى تستعيد السياسة معناها؟
فالمقال لا ينفي من حيث المبدأ وجاهة فكرة “الإصلاح من داخل المؤسسات”، لكنه يربط إمكانيتها بوجود هوامش حقيقية للتأثير الشعبي، وإلا يصبح السؤال: كيف يمكن للعبة أن تغير قواعدها من داخلها؟
ويُنتظر أن يثير هذا الطرح نقاشاً أوسع مع اقتراب الاستحقاقات، لأن أزمة الثقة—كما يصورها الكاتب—لم تعد محصورة في حزب أو حكومة، بل مسّت السياسة نفسها بوصفها وسيلة للتغيير.
وفي خاتمة المقال، يدعو ويحمان إلى “التوقف ثم التأمل ثم المراجعة”، ويطرح بوصفه أفقاً ممكناً فكرة “التعاقد” المؤجلة منذ الاستقلال، على أن يتناولها في المقال المقبل.
ختاما، يشدد مقال الأستاذ أحمد ويحمان على أن تغيير الوجوه وحده لا يكفي إذا ظلت مراكز القرار الفعلية خارج التنافس الانتخابي، وأن استعادة الثقة تمر عبر إعادة الاعتبار للتمثيل والمسؤولية وربط السلطة بالمحاسبة، بما يضمن للناخب أن صوته ليس مجرد رقم في صندوق، بل أثر في السياسات والاختيارات الكبرى.



