حين تفقد الأخلاق بوصلتها

هوية بريس – إبراهيم سهيل
لا تسقط الأخلاق يوم يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من ضعفه وطبيعته، وإنما يبدأ السقوط الحقيقي حين يتغير الميزان الذي يفرّق بين الخطأ والصواب.
فالأخلاق ليست مجرد قوانين تُكتب، ولا عادات يتوارثها الناس، بل هي ثمرة جذور أعمق منها بكثير. إنها تنبت من تصور الإنسان عن نفسه، وعن الحياة، وعن المعنى الذي جاءت من أجله.
وحين تبقى الجذور حية، تستطيع المجتمعات أن تصحح أخطاءها، لأن هناك معيارًا تعود إليه. أما حين تُفصل الأخلاق عن أصلها، يصبح الإنسان هو المشرّع الوحيد لرغباته، فيتغير معنى الخير والشر بتغير الأهواء والظروف.
وقد تحافظ أمة على كثير من مظاهر النظام والعدل والانضباط، وهذا أمر لا يُنكر، لكن يبقى السؤال الأعمق: ما الذي يعطي هذه القيم معناها؟ وما الذي يجعل الإنسان يختار الصواب حين لا توجد عين تراقبه ولا قانون يجبره؟
فالمشكلة ليست دائمًا في غياب القوانين، بل في غياب الضمير الذي يجعل الإنسان يرى بعض الأشياء خاطئة حتى لو امتلك القدرة على فعلها.
ولهذا فإن أزمة الأخلاق في بعض المجتمعات الحديثة ليست أنها فقدت كل قيمة، فهذا حكم لا ينصف الواقع، وإنما أن جزءًا من منظومتها بدأ يعيد تعريف الإنسان بعيدًا عن المعاني الفطرية التي كانت تمنحه حدودًا داخلية واضحة.
فالحرية حين تنفصل عن المسؤولية قد تتحول إلى عبء، والاختيار حين ينفصل عن الحكمة قد يصبح استسلامًا للرغبة، وقبول كل شيء باسم التسامح قد ينتهي إلى فقدان القدرة على التمييز.
إن الفطرة هي البوصلة الأولى التي وضعها الله في الإنسان. قد تغطيها الشهوات، وقد تضعفها العادات، وقد يحاول الفكر أن يعيد تشكيلها، لكنها تبقى في العمق شاهدة على أن الإنسان ليس مجرد كائن يبحث عما يريد، بل كائن يحمل معنى ومسؤولية.
ولذلك فإن سقوط الأخلاق لا يبدأ من الشوارع، بل من الداخل. يبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على سؤال نفسه: ليس فقط ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل ماذا ينبغي أن أفعل؟
فالأمم لا تحفظها القوة وحدها، ولا العلم وحده، ولا كثرة القوانين، بل يحفظها الإنسان الذي يحمل في داخله ميزانًا يعرف به أن بعض الأشياء لا تصبح صحيحة لمجرد أن الجميع قبلها، وأن بعض الحدود ليست قيودًا على الحرية، بل حماية لمعنى الإنسان نفسه.
وحين تفقد النفس بوصلتها، قد تبقى الحضارة قائمة في ظاهرها، لكن شيئًا عميقًا فيها يبدأ بالانطفاء.
فالإنسان لا يعيش بما يملك فقط، بل بما يؤمن أنه يستحق أن يحفظه.



