د.عزيز الكبيطي: وراثة النبي ﷺ ذاتا وروحا!!؟؟

20 يوليو 2026 19:09

د.عزيز الكبيطي: وراثة النبي ﷺ ذاتا وروحا!!؟؟

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

من النصوص التي وقفت عليها ، والتي يتجلى فيها بوضوح الانحراف العقدي والمنهجي في كتاب آداب المريدية النص الآتي:

يقول د. عزيز الكبيطي في آداب المريدية (ص: 154) ما نصه:

“وخصوصية المرآة المحمدية ليست متاحة لكل المشايخ، وليس كل شيخ مأذون هو مرآة لسيدنا رسول الله، بل هو إذن خاص بمن ورث رسول الله ذاتا وروحا، فكان [أي الشيخ] صورة تنعكس فيها مظاهر سيدنا رسول الله النورانية، لذلك تعتبر صحبة هذا الشيخ صحبةً لرسول الله، ومصاحبته كمصاحبة الصحابة لرسول الله، فيعيش المريد حقيقة معاني الصحبة المحمدية ويتذوق أحوال الصحابة خلال صحبتهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.” انتهى.

■ قلت: هذه الفقرة من أخطر ما ورد في الكتاب؛ إذ اشتملت على جملة من الدعاوى العقدية والمنهجية التي لا يسندها دليل من كتاب ولا سنة، بل تصادم أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وتؤسس لمفاهيم منحرفة تفضي إلى رفع بعض المشايخ إلى منزلة لا يثبتها الشرع إلا لرسول الله ﷺ. ويتبين ذلك فيما يأتي:

◆ (1) دعوى وجود من ورث رسول الله ﷺ ذاتا وروحا

قول عزبز الكبيطي : ” إذن خاص بمن ورث رسول الله ذاتا وروحا” من أبطل العبارات وأشدها خطورة؛ لأن الإرث الذي أثبته الشرع للأنبياء هو وراثة العلم والبلاغ والهداية، لا وراثة ذواتهم ولا أرواحهم.

فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

ولم يقل ﷺ: ورثوا ذواتهم أو أرواحهم.

بل إن ذات النبي ﷺ وخصائصه ومقامه الشريف مما اختصه الله تعالى به، ولا يشاركه فيها أحد، ولم يقل أحد من أئمة الإسلام -فيما نعلم- بإمكان انتقال ذاته أو روحه أو شيء من خصائصه إلى غيره عن طريق الوراثة.

ومن هنا فإن إطلاق القول بأن شيخا “ورث رسول الله ذاتا وروحا” ليس مجرد تعبير مجازي يحتاج إلى بيان، بل هو دعوى عقدية عظيمة لا تعرفها نصوص الوحي، ولا أقوال السلف، ومذاهب العلماء، وإنما تشبه كثيرا مصطلحات الباطنية وأرباب الاتحاد والحلول، وتفتح باب الغلو الذي جاءت الشريعة بإغلاقه وسد ذرائعه.

أما علم النبوة الذي هو محل الإرث الشرعي، فهو شامل لما بعث الله به رسوله ﷺ من تلاوة الآيات، وتعليم الكتاب والحكمة، وتزكية النفوس، وهذا هو الإرث الذي يتنافس فيه العلماء والعارفون الربانيون، لا وراثة ذات النبي وروحه.

◆ (2) جعل الشيخ صورة تنعكس فيها المظاهر النورانية للنبي ﷺ

يزعم د. عزيز الكبيطي أن هذا الشيخ “صورة تنعكس فيها مظاهر سيدنا رسول الله النورانية” وهذه دعوى مجردة لا يقوم عليها دليل من القرآن ولا من السنة، ولا يعرفها أحد من الصحابة أو التابعين أو أئمة الإسلام. فالطريق الذي شرعه الله للتشبه برسول الله ﷺ واضح بين، وهو والاقتداء بهديه، والتأسي بأخلاقه، واتباع سنته؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

فجعل سبحانه اتباع النبي ﷺ هو الطريق الوحيد الموصل إلى محبة الله، ولم يجعل ذلك متوقفا على شيخ يكون “مرآة للنبي” أو “صورة” تنعكس فيها أنواره أو يرث جسده وروحه!!

أما تحويل هذا المفهوم إلى أصل من أصول التربية والسلوك، فهو من المصطلحات المحدثة التي لا أصل لها في الوحي، ولا في كلام السلف، ولا أصحاب السلوك المشهود لهم بالإمامة، بل هي أقرب إلى المفاهيم الباطنية منها إلى منهج أهل السنة.

◆ (3)جعل صحبة الشيخ بمنزلة صحبة رسول الله ﷺ

ومن أخطر ما في النص أيضا قول د. عزيز الكبيطي: “لذلك تعتبر صحبة هذا الشيخ صحبة لرسول الله”.

وهذا من أبطل القياسات؛ لأن الصحبة الشرعية للنبي ﷺ قد انقطعت بوفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى. وقد قرر أهل العلم على أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام.

وعليه، فلا يمكن لأحد بعد وفاته ﷺ أن ينال وصف الصحبة، فضلا عن أن يجعل صحبة شيخ من المشايخ بمنزلة صحبة رسول الله ﷺ).

ولهذا كان فضل الصحابة فضلا لا يلحقهم فيه أحد؛ لأنهم اختصوا بالإيمان به في حياته، ورؤيته، وسماع الوحي منه، ونصرته، والجهاد معه، وهذه خصائص لا تتكرر بعد انقطاع الوحي.

◆ (4) تشبيه مصاحبة الشيخ بمصاحبة الصحابة للنبي ﷺ

يؤكد د. عزيز الكبيطي هذا المعنى بقوله: “ومصاحبته كمصاحبة الصحابة لرسول الله.” وهذا تشبيه باطل لا دليل عليه، بل يفضي إلى رفع الشيخ إلى منزلة لا تثبت إلا للنبي ﷺ.

فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يتلقون الوحي من المعصوم، ويشهدون نزول القرآن، ويتلقون الدين من النبي ﷺ مباشرة.

أما الشيخ -مهما بلغت منزلته- فغير معصوم، يؤخذ من قوله ويترك، ويصيب ويخطئ. فكيف تستوي الصحبتان، مع هذا الفرق الجوهري!!؟

إن هذا التشبيه ليس مجرد مبالغة في الثناء، بل هو تأسيس لمقام استثنائي للشيخ، يفضي عمليا إلى إضفاء قداسة على أقواله وتصرفاته، وهو ما يناقض أصل عصمة الشريعة، #ويخلط بين مقام النبوة ومقام الولاية.

(5) تكريس الوساطة الروحية بين المريد ورسول الله ﷺ

ينتهي النص إلى تقرير أن الطريق إلى معايشة حقيقة الصحبة المحمدية لا يكون إلا عبر هذا الشيخ الذي يسمى “#المرآة المحمدية”. وهذا في حقيقته يجعل الشيخ وسيطا روحيا بين العبد ورسول الله ﷺ، مع أن الإسلام لم يجعل بين المسلم وبين نبيه ﷺ وسيطا في الاقتداء والاتباع . قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

فجعل الأسوة في رسول الله ﷺ نفسه، ولم يجعلها في شخص يدعي أنه مرآته أو وارث ذاته وروحه.

وعليه، فإن جعل الوصول إلى كمال الاقتداء بالنبي ﷺ يتوقف على شيخ مخصوص، كذب على الدين، وهو أصل لا يعرفه الإسلام، بل يناقض كمال الرسالة وعموم هدايتها، ويفتح باب الوسائط الروحية والكهنوتية التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وتأسيسا على ما سبق، فإن هذه الفقرة لا تقف عند حدود المبالغة في تعظيم الشيخ، بل تؤسس لبناء عقدي كامل، يقوم على ادعاء وراثة ذات النبي ﷺ وروحه، وجعل الشيخ مرآة للنبي، وتسوية صحبته بصحبة رسول الله ﷺ، وتشبيه المريد بالصحابة، وجعل الوصول إلى حقيقة الاقتداء بالنبي ﷺ متوقفا على هذا الشيخ. وكل ذلك دعاوى تفتقر إلى البرهان الشرعي، وتخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، وتفضي إلى الغلو الذي جاءت النصوص الكثيرة بالتحذير منه وسد أسبابه، وتؤكد ما تقدم تقريره في مقالين سابقين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
25°
26°
الأربعاء
26°
الخميس
25°
الجمعة
24°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة