تنظيم العدالة في قبائل العرف البربري بالمغرب 1930م (2/2)

20 يوليو 2026 22:10

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

توضيح

بخصوص الحوادث التي أثارها الظهير بشأن العدالة البربرية، فإن المقال التالي، الذي نشره السيد موريس لوكلاي، في جريدة (la vigie marocaine) جدير بالقراءة.

نُشِرت بعض المعلومات حول ضجة طفيفة بين الشباب المغاربة، بشأن المصادقة على ظهير الاختصاص القضائي للعرف البربري، الذي صدر قبل ستة عشر عاما (11 شتنبر 1914) في عهد الملك الراحل مولاي يوسف.

ولأن هذه الضجة محدودة النطاق، لم نتناولها بالنقاش،

ومع ذلك، ونظرا لبعض النزعات التي قد تدفع البعض، لاستخدامها كنقطة انطلاق لمزيد من الجدل، رأينا من المهم استطلاع رأي أحد أكثر الأشخاص إلماما بالمسألة البربرية، سواء في الحياة المعاصرة، أو في تدريس التاريخ، وهو زميلنا السيد لوكلاي، الذي نعتقد أننا سنجد فيه الحيوية والوضوح، اللذين يتميز بهما في عرض الأمور التي يلم بها، والذي رد بما يلي:

أخبرنا السيد لوكلاي أن هذا الاضطراب البسيط، كما تعلمون من فعل بعض الشبان، فئة معينة من الشباب المتعلمين، الذين هم تحت رعاية كبارهم المشاكسين، وإرضاءً للمستشارين الأجانب، قرروا إثارة المشاكل معنا بشأن مرسوم ملكي، ينظم ويكمل نظام العدالة في المناطق التي تطبق القانون العرفي.

بداية يجب أن أقول لكم، بصفتي فرنسيا، إن مطالب هؤلاء الشباب، قد أثارت اهتمامي ودهشتي، من المؤكد أن هؤلاء الشباب، قد اكتسبوا من التعليم والتوجيه الذي نقدمه لهم ذوقاً، إن لم يكن حِسًّا نقديا، ووجدوا الوسائل لمناقشته، والتعبير عنه بسهولة، تقترب في بعض الأحيان، من وضوح اللغة اللاتينية.

هذه نتيجة واضحة، لدينا هنا أشخاص يمكننا من الآن فصاعدا مناقشة أمور شيقة معهم، من جانبي، لن أتردد في ذلك، بل أريد أن أبدأ فورا، ما دامت الفرصة سانحة.

إن المطالب أو بالأحرى الشكاوى التي نسمعها ذات شقين: أحدهما يتعلق بالولاية القضائية، والأخرى بالدين.

سأتناول الشق الثاني، ولكن اسمحوا لي أولا أن أبدأ ببعض الحقائق التاريخية لمن يجهلها، ولمن يتظاهرون بجهلها أيضا.

عندما أراد مولاي عبد الحفيظ، السلطان الثائر، الذهاب إلى فاس، ليتم تنصيبه من قبل الشعب {وهو ما يسمى البيعة، “المترجم”} وتعترف به الدول الكبرى، اضطر وهو قادم من مراكش، إلى طلب الإذن من موحا أوحمو لعبور زيان، فأسرع بإرسال أولاده لإرشاده ومساعدته، لكن رفض مقابلته بنفسه، كان مستعدا لمساعدة سلطانه الذي أعلن كرهه للأجانب، لكنه لم يرغب تقديم بيعته له، كان ذلك هو التقليد البربري العريق، الذي يسعى من خلاله لإضعاف العاهل الحاكم ومخزنه، مرحبا دائما بمن يطالب بالعرش، بل وخيانته، كلما بدا ذلك في صالحهم.

هكذا رأيناهم يساندون عبد الحفيظ أولا، ثم يتقربون من مدعي العرش، الإدريسي محمد كبير الكتاني، ثم ضد عبد الحفيظ، ينادون بمولاي الزين في مكناس، ثم ضد مولاي يوسف ينحازون للهبة.

وعندما اعترفت الدول على غرار فرنسا بمولاي حفيظ، وزاره سفراؤها في قصره بفاس، وجدوه منكمشا حزينا قلقا، بسبب تهديدات البربر لاقتحام مداخل عاصمته، لدرجة أن إحدى تلك السفارات الأجنبية تعرضت لهجوم، بالقرب من فاس، من قبل جنود السلطان الفارين أمام بني امطير، مهددا من جهة الروكي، ومن جهة أخرى، بموجة البربر التي تضرب الأسوار.

كان في الواقع سجينا في العاصمة، ولم يتمكن من مغادرتها إلا في يونيو 1912 تحت حماية الحراب الفرنسية، هذه هي القصة، قصة الأمس، فلْنَنظر لقصة اليوم.

لقد تغيرت الأمور بشكل كبير، ليس لأن السلطان يحكم بسهولة على مئات الآلاف من رعاياه في بلاد المخزن، بل أصبح يحكم أيضا نحو ثلاثة ملايين بربري أخضعتهم فرنسا، وأجبرتهم على تقديم الولاء له، استغرق هذا الأمر منا عشرين عاما، ولن أتطرق إلى الجهد الهائل الذي بذلناه من رجال وأموال، أو إلى الذي ما زال يكلفنا، فالأمر لم ينته بعد، فلا يمر عام دون أن تُخْضِع قواتنا قبيلة ما للعرش الشريف.

هذه الأموال التي ذكرتها للتو، ليست كما أخبرني شاب جاهل، بأنها أموال الفلاح المغربي، بل هي أموال الفلاح الفرنسي دافع الضرائب، الذي اضطر إلى دفع المليار الذي كلفنا الدفاع عن العرش الشريف، ضد الرّْوَاگا المطالبين بالعرش.

لجوء فرنسا في مسعاها الجبار إلى السياسة، لا يعد عيبا يذكر، إذ أنها تبنَّت السياسة نفسها التي اتبعها السلاطين فهل تُلام على اعترافها بالعادات والتقاليد في السلطنة وتكريسها لكسب قلوب رعاياها، بعد أن تعهدت باحترام التقاليد كافة؟ تلك التقاليد العريقة التي لم يجْرُؤ شعب على انتهاكها عبر العصور، والتي لم يستطع زعزعتها أو تجرأ على انتهاكها إلا السلاطين.

قرأت مؤخرا لائحة محلية سُنَّتْ لتسهيل بل وحماية انتشار ممارسات عِيسَاوة، هل هذا تقليد بربري أم إسلامي خالص؟ أنا لا أعرف، إنه تقليد مغربي، ومهما كان مؤسفا، فإننا نحترمه، وينطبق الأمر نفسه على العادات البربرية، وهي تقليد مغربي.

أما لمن يقول لنا إننا بتنظيمنا استخدام العادات

وأحيانا بإضافة رقابة القضاء الفرنسي عليها، نتعدى على السلطة العليا للسيادة في مسائل العدالة فأجيبهم بما يلي: يبدأ الحكام القرارات في المغرب بهذه الكلمات

“باسم الشعب الفرنسي، وجلالة السلطان” لم يذكر في أي مكان أن الأحكام في المسائل البربرية ستكون لها صيغة مختلفة.

إن أهم ما يُعنى به جلالة السلطان هو قبل كل شيء احترام رعيته، من يجرؤ على القول إن فرنسا لم تستطع ضمان هذا الاحترام له، أو أنها لا تزيد يوما بعد يوم عدد الذين يمنحونه إياه. وهل سبق أن بلغ هذا العدد في الماضي؟ وما يهم السلطان أيضا، هو أن تقام العدالة باسمه، هل كانت العدالة قائمة عند البربر؟ كلا.

سيُصدر، ولتحقيق هذا الهدف، كان على السلطان أن يثق بفرنسا فيما يتعلق بالوسائل المستخدمة.

يقول البعض إن مزاج شبابنا السيء، كمزاج آبائهم الموقرين، ينبع من أن القانون الجديد سيحرمهم من مناصب مربحة عديدة، كقضاة وعدول، لماذا يحاولون خداعنا؟

هل يرغبون في توزيعها بين هؤلاء القوم الجبليين الأشداء، الذين يرْعِبون المخزن برُمَّته، والذي أخبرني كثير من المشتكين بسذاجة، أنهم لا يعرفون عنهم شيئا؟

بدلا من الحديث عن أمور لا يعرفونها، لماذا لا يذهبون ويروا بأنفسهم؟ لطالما كان لدى البربر طُلْبَة، وغالبا ما يكونون حقا من البربر مثلهم، ونحن نستعين بهم عندما يمكن أن يفيد تدخلهم، قَضِيَّة السلطان والنظام، بل إننا نستقدمهم من أماكن بعيدة.

وهذا يقودني إلى المسألة الدينية، يتهمنا بعض المتعصبين بتنصير البربر، هل تعتقدون حقا يا أصدقائي الأعزاء، أن أحدا سيصدق هذه المزحة؟

هل ترون حكومة الجمهورية، بعد الليبرالية التي مارستها في الجزاير وتونس، تُغير سياستها فجأة، وتنخرط في نوع من التبشير بالمغرب ؟

كفى! أذكروا حالات محددة، ما يهم هو حياد الدولة، إنكم تُسيئون إلى الدولة الفرنسية، بالتشكيك في مبادئها

والآن ختاما، معلومة ونصيحة، قريبا بإذن الله، بقوة أسلحتنا وسياستنا، سترون عند عرش سيدي محمد قبيلة لم تتخيلوا يوما رؤيتها هناك، أريد أن أتحدث عن أولئك المتوحشين في أعالي واد العبيد، الذين ارتكبوا منذ زمن بعيد، مجازر بوَحْشِية، مع طُلْبَتِهم؛ مولاي سُرور، والجد الأكبر لسيادته، جريمة شنيعة لم يعاقب عليها أحد. في ذلك اليوم، لم نتمكن حقا من قول: “افعل الشيء نفسه، أو التزم الصمت”.

وهذه نصيحتي: التزموا الصمت، ولا تتلاعبوا بهؤلاء البربر الذين لا تعرفونهم، احذروا بتعليقاتكم الطائشة، من إبعاد السلطان، عن أيِّ من هذه القبائل التي بذلنا جهدا كبيرا لجلبها إليه، فحينها لا بد أن تردَّ الأميرة. وسيكون ذلك مؤسف حقا، لأنكم في المجمل، أناس طيبون ومهذبون، ومن أفضل طلابنا، وقد سررنا كما تمنى ليوطي، بتعزيز الصفات الموروثة من حضارتكم العريقة من خلال ثقافتنا، فأشعلتم كما توقعنا حماسة هذه الثقافة، فأثيروا الأفكار، وابحثوا عنها، ولكن لا تقدموا أنفسكم أمام فرنسا، كمدافعين عن إسلام مهدد، فلن يصدقكم أحد، فالعالم يشهد أننا هنا، قد رسخنا عرش الشريف، فامتدت قوته بشكل كبير، وغطت قوانيننا كل ما يثير عقيدتكم وضمائركم.

Maurice le glay

——

رسالة السلطان (يتبع)

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
25°
26°
الأربعاء
26°
الخميس
25°
الجمعة
24°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة