“الصباح” تستهدف الشيخ لقصير.. الوقائع تدينها والتاريخ يكذب حملتها

“الصباح” تستهدف الشيخ لقصير.. الوقائع تدينها والتاريخ يكذب حملتها
هوية بريس – عابد عبد المنعم
مرة أخرى، تعود بعض المنابر إلى أسلوبها المألوف في صناعة الجدل، ليس عبر كشف ملفات تمس القدرة الشرائية للمواطنين أو ممارسة الصحافة الاستقصائية، وإنما بنبش تسجيلات قديمة واقتطاع ثوان معدودة منها، ثم تقديمها للرأي العام خارج سياقها لإدانة أصحابها وإثارة موجة جديدة من البوليميك.
هذا ما فعلته جريدة “الصباح” مع الفقيه والداعية المغربي المعروف الشيخ مصطفى لقصير، حين أعادت نشر مقطع له يعود إلى أكثر من إثنتي عشر سنة (12 سنة)، واختزلت حديثا طويلا في جمل قليلة لتبني عليه اتهامات خطيرة، وكأن البلاد تعيش فراغا إعلاميا لم يعد يملؤه سوى مطاردة العلماء والدعاة.
وليس خافيا على أحد أن هذه الجريدة راكمت، عبر سنوات طويلة، سجلا واسعا في استهداف العلماء والدعاة، سواء الرسميين أو غير الرسميين، ولم تخف يوما موقفها العدائي من كثير من الشعائر الإسلامية والثوابت الدينية، حتى أصبح الهجوم على كل صوت ديني مادة إعلامية جاهزة لاستقطاب القراء وإثارة الجدل.
والأخطر من ذلك أن الجريدة نسبت إلى الشيخ مصطفى لقصير أقوالا لم تصدر عنه، مدعية أنه تحدث عن حمل 70 في المائة من تلميذات المدارس وعن فقدان 90 في المائة منهن للعذرية، في حين أن المقطع الأصلي الذي يعود إلى أكثر من 12 سنة لا يتضمن هذه الصياغة التي قدمتها الجريدة، ولا هذه النسب كما أوردتها في عنوانها ومتن مادتها. وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى الأمانة المهنية في نقل كلام الأشخاص، ويدفع إلى التساؤل عما إذا كان الهدف هو نقل الحقيقة أم صناعة الإثارة عبر عناوين صادمة.
وحتى مع التسليم بحق الجميع في مناقشة ما ورد في كلام الشيخ أو نقده، فإن الإنصاف يقتضي التفريق بين من يتعمد اختلاق الوقائع ونسب أقوال إلى الناس لم يقولوها، وبين من يوجه نداء تحذيريا بدافع الغيرة على المجتمع، والتنبيه إلى ما يراه مظاهر تفكك قيمي تهدد الأسرة والناشئة. فالخلاف في التقدير أو في أسلوب الطرح لا يبرر بتر الكلام، أو تحريف مضمونه، أو تحميل صاحبه ما لم يقله.
فالشيخ لم يكن يحتفي بالانحراف، ولم يكن يطعن في أعراض النساء.. لا أبدا، وإنما كان يحذر من تفكك قيمي وأخلاقي يراه يتفاقم، ويدعو الإعلام والأسر والمسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم في حماية الأطفال والقاصرين من الاستغلال والانحراف.
ومن الظلم أن تؤخذ كلمات قيلت في سياق التحذير، ثم تقدم وكأنها بيان رسمي أو تقرير إحصائي صادر عن مؤسسة عمومية.
بل إن الوقائع التي يعرفها المغرب اليوم تؤكد أن الحديث عن المخاطر التي تهدد القاصرات لم يكن وهما ولا خيالا.
فخلال الأشهر الأخيرة فقط، اهتز الرأي العام على وقع اكتشاف حمل تلميذة تتابع دراستها بالمستوى السادس ابتدائي بإقليم وزان، مع توقيف مشتبه فيهم وفتح تحقيق قضائي في القضية. كما سبق أن استقبل المستشفى الإقليمي بجرسيف طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها وهي حامل في شهرها الرابع، في واقعة خلفت صدمة واسعة وفتحت تحقيقا لتحديد المسؤولين عنها.
وقبل ذلك، شغلت قضية دار الطالبة بقرية با محمد الرأي العام، بعدما كشفت التحقيقات عن استغلال جنسي طال تلميذتين قاصرتين، مع متابعة عدد من المتورطين أمام القضاء، رغم سقوط كثير من الادعاءات المتداولة على مواقع التواصل بشأن تفاصيل الملف.
هذه الوقائع، وغيرها كثير، لا تثبت صحة أي رقم ذكره الشيخ، لكنها تؤكد أن الخطر موجود فعلا، وأن الاعتداء على القاصرات والاستغلال الجنسي والانحراف الأخلاقي ليست قضايا متخيلة، وإنما ملفات تعالجها المحاكم المغربية بشكل شبه يومي.
ولهذا فإن الواجب هو مناقشة الظاهرة، لا تصفية الحساب مع من يدق ناقوس الخطر.
والأكثر إثارة للاستغراب هو الانتقائية الصارخة في التعاطي الإعلامي، فالجريدة التي شنت حملة على الشيخ مصطفى لقصير بسبب كلمات قديمة، لم تبد الحماس نفسه عندما خرج وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام الرأي العام بتصريحه المثير قائلا: “أجيو نديرو ADN، كلما تزاد شي دري نقلبو على باه… يبقى المغربي غادي وتابعو 20 دري.”
وهو تصريح أثار حينها موجة واسعة من الجدل، لما يحمله من تعميمات وإيحاءات تمس الأسرة المغربية، ومع ذلك لم نشاهد الحملة الإعلامية نفسها، ولا لغة التخويف ذاتها، ولا الحديث عن الخطر على المجتمع، حينها جفت الأقلام وخرصت الأصوات داخل بناية الصباح بحي المعاريف بالبيضاء.
إن هذا الكيل بمكيالين يطرح سؤالا كبيرا حول طبيعة المعايير التي تحكم بعض المنابر، وهل أصبحت هوية المتحدث هي التي تحدد طريقة التغطية، لا مضمون كلامه؟
ثم إن اللجوء إلى مقاطع قديمة مضى عليها أكثر من ثماني سنوات، في محاولة لإعادة تدويرها اليوم، يكشف أزمة حقيقية في بعض الصحافة التي يبدو أنها فقدت القدرة على صناعة الخبر والتحري من صحة الخبر، فأصبحت تبحث في الأرشيف عن أي مادة قابلة لإشعال الجدل.
وهذا يحيلنا على صحافة “التشيطين” و”إيش إيش” و”غيز له” و”ونتبع دين مو..”! وهي عبارات سبق أن تلفظ بها مدير نشر جريدة “الصباح”، في فيديو مسرب أثار كثيرا من الجدل.
أما الشيخ مصطفى لقصير، فهو ليس شخصية مجهولة حتى يحتاج إلى من يعرِّف به، فهو عدل وداعية مغربي يحظى باحترام واسع داخل المجتمع، ويتابع دروسه ومحاضراته مئات الآلاف داخل المغرب وخارجه، وقد عرف بخطابه الدعوي المعتدل، ومشاركته المستمرة في النقاشات المتعلقة بقضايا الأسرة والقيم والشأن الديني.
ومن يعرف طبيعة المجتمع المغربي يدرك أن مثل هذه الحملات لا تنجح غالبا في إسقاط العلماء، بل تمنحهم حضورا أكبر، لأن الناس تميز بين الخطأ الذي يناقش بالحجة، وبين حملات التشويه التي تقوم على الاجتزاء والانتقائية.
ولعل أخطر ما في هذه الحملة ضد الشيخ لقصير أنها لا تبدو معزولة عن الخط التحريري الذي عرفت به يومية “الصباح“ منذ سنوات، والذي جعلها في أكثر من مناسبة طرفا في معارك فكرية وإيديولوجية استهدفت المرجعية الإسلامية والعلماء والدعاة، أكثر مما انشغلت بممارسة الصحافة المهنية القائمة على المصداقية والتحري قبل نشر الخبر واستهداف الأبرياء.
وأذكر باختصار أنه في 22 من شتنبر 2020 نشرت يومية “الصباح” مقالا بعنوان “مخطوطات القرآن.. السر الغامض”.. شكك من خلاله في صحة القرآن الكريم.. وزعمت أن المصحف الذي بين أيدينا اليوم ضاعت منه أجزاء.. ويشتمل على أخطاء لغوية!! وذكرت فظائع أخرى خطيرة.
في شتنبر 2019 خصصت الجريدة ملفا كاملا بعنوان “حرية الجسد.. دعوا الحب يتنفس“، دافعت فيه صراحة عن رفع التجريم عن الزنا/”العلاقات الرضائية”، ودعت إلى تحرير العلاقات الجنسية من القيود الاجتماعية والدينية، وهاجمت ما وصفته بـ”صكوك العفة”، كما اعتبرت أن الدين والأعراف يفرضان على المرأة قيودا تمس كرامتها، في طرح أثار حينها موجة واسعة من الانتقادات لاعتباره تحريضا صريحا ومباشرا على الفساد ومخالفة القانون، واستهدافا مباشرا لقيم المجتمع المغربي وثوابته الدستورية.
ولم تقف الجريدة عند هذا الحد، بل أثارت خلال شهر رمضان استياء واسعا بعدما نشرت مقالا بعنوان “صلاة التراويح.. هي فوضى“، هاجمت فيه هذه الشعيرة الإسلامية ورواد المساجد، في وقت ينتظر فيه المغاربة من الإعلام احترام مقدسات الأمة بدل تحويلها إلى مادة للإثارة والجدل.
كما ارتبط اسم الجريدة بعدد من الأخبار التي تبين لاحقا عدم صحتها، من بينها اتهام السلفيين بتجريد فتاة من ثيابها في السويقة بالرباط، وهي رواية من محض خيال كاتبها، لا أساس لها من الصحة، تدخل في إطار استهداف الإسلاميين أكثر من كونها عملا صحفيا مهنيا.
وسبق للجريدة نفسها أن نسبت إلى سلفيين مغاربة تدمير نقوش صخرية تاريخية بموقع “ياغور” في الأطلس الكبير، وهو خبر أحدث ضجة وطنية، قبل أن تعلن السلطات الرسمية، بعد تحقيقات ميدانية وزيارات حكومية للموقع، أن الواقعة لا أساس لها من الصحة.
وفي الوقت الذي تهاجم فيه “الصباح” كل خطاب يدعو إلى حماية القيم والأخلاق العامة، لم تتردد الجريدة في الدفاع عن مواقف مثيرة للجدل، من بينها الدعوة إلى مخالفة مقتضيات قانونية تتعلق بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، والدفاع عن حق الأجانب في المجاهرة بشرب الخمر، فضلا عن نشرها المستمر لصور خادشة للحياء، رغم ما يثيره ذلك من تساؤلات حول احترام أخلاقيات المهنة ومراعاة طبيعة المجتمع المغربي والأسر التي تطالع هذه المواد، بمن فيهم الأطفال.
ومن هنا، يصعب فصل الهجوم على الشيخ مصطفى لقصير عن هذا المسار التحريري المعروف. فمن يعتبر الدعوة إلى العفة والغيرة على الأسرة “تطرفا”! ويقدم الدفاع عن الانفلات الأخلاقي بوصفه “حرية”، سيجد بطبيعة الحال في كل عالم أو داعية يرفع صوته دفاعا عن هوية المجتمع خصما ينبغي استهدافه. لكن التاريخ أثبت أن حملات التشويه لا تستطيع إسكات الكلمة الصادقة، وأن العلماء والدعاة الذين يلتفون حول قضايا المجتمع لا تضعفهم عناوين صحفية مثيرة، بل تزيدهم حضورا وثقة لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين يدركون الفرق بين الصحافة التي تبحث عن الحقيقة، والصحافة التي تبحث عن الإثارة.



