إغلاق الأقصى وطقوس الفصح… صمت رسمي واحتجاج شعبي!

23 مارس 2026 10:56

إغلاق الأقصى وطقوس الفصح… صمت رسمي واحتجاج شعبي!

هوية بريس – متابعات

لم يكن إغلاق المسجد الأقصى من لدن الكيان الصهيوني حدثا عابرا يمكن إدراجه ضمن سياق الإجراءات الأمنية المؤقتة، بل بدا وكأنه إعلان صريح عن مرحلة لفرض واقع جديد على أحد المساجد التي تشد إليها الرحال، في لحظة تاريخية تختلط فيها الحرب الإقليمية بالصمت الدولي، وتتقاطع فيها الحسابات السياسية مع غياب موقف عربي وإسلامي واضح يرقى إلى حجم الحدث وخطورته.

فالمشهد الذي عاشه شهر رمضان من سنة 1447هـ/2026م، حيث أُغلقت أبواب الأقصى ومنعت الصلوات وعُطلت الجمعة، لم يكن مجرد سابقة زمنية، بل تحوّل إلى صدمة وجدانية عميقة لدى ملايين المسلمين الذين تابعوا مشهد المآذن الصامتة والساحات الخالية.

في مقابل هذا الإغلاق، خرجت أصوات الاحتجاج من خارج الجغرافيا العربية والإسلامية، حيث شهدت لندن وقفة تضامنية أمام البرلمان البريطاني شارك فيها نشطاء ومؤسسات داعمة للقضية الفلسطينية، رافعين شعارات تندد بمنع المسلمين من أداء عباداتهم. هذا الحراك، وإن كان محدودا من حيث العدد، حمل دلالة عميقة على أن نبض الشعوب لا يزال حيا، حتى وإن خفتت أصوات الأنظمة. فقد بدا المشهد وكأن الضمير الإنساني يجد متنفسه في شوارع الغرب، بينما يختنق في عواصم يفترض أنها أكثر التصاقا بالقضية.

وإذا كان الاحتجاج في الخارج يعكس حيوية الشعوب، فإن الصمت في الداخل العربي والإسلامي يكشف عن أزمة أعمق، تتعلق بغياب مركزية المسجد الأقصى في صناعة القرار السياسي. فالقضية التي كانت يوما عنوانا للوحدة ومصدرا للتعبئة الجماهيرية، تحولت في كثير من الأحيان إلى ملف ثانوي، يخضع لحسابات التوازنات الدولية والمصالح الضيقة. هذا الغياب لا يقتصر على المواقف الرسمية فحسب، بل يمتد ليشمل ضعف التفاعل المؤسسي، وغياب المبادرات الجماعية القادرة على الضغط والتأثير.

وفي هذا السياق، برزت بيانات العلماء والمؤسسات الشرعية كصوت يحاول كسر هذا الصمت، حيث حذروا من خطورة ما يجري، معتبرين أن إغلاق الأقصى ليس مجرد إجراء أمني، بل خطوة ضمن مسار طويل يهدف إلى فرض السيادة الكاملة عليه. وقد استندوا في ذلك إلى قراءة تاريخية وسياقية، تؤكد أن مثل هذه الإجراءات لا تأتي فجأة، بل تمهد لها سياسات متدرجة تستغل اللحظات الحرجة لفرض وقائع جديدة. كما دعوا إلى تحرك عاجل يشمل مختلف مستويات الأمة، من العلماء إلى المؤسسات، ومن الشارع إلى صناع القرار.

وفي موازاة ذلك، أطلقت مؤسسة القدس الدولية تحذيرات من مخطط خطير تسعى إليه جماعات ما يسمى بـ”الهيكل”، يتمثل في محاولة إدخال طقوس دينية داخل باحات الأقصى، بما في ذلك ذبح “قربان الفصح”، وهو ما يمثل، في حال حدوثه، تحولا نوعيا في طبيعة الصراع على المكان، وانتقالا من مرحلة الاقتحامات إلى مرحلة فرض الشعائر بالقوة. هذه التحذيرات تعكس قلقا متزايدا من استغلال حالة الانشغال الإقليمي والدولي لتمرير خطوات غير مسبوقة.

ورغم قتامة المشهد، فإن بعض صور التفاعل الشعبي أعادت التذكير بأن جذوة الغيرة على المقدسات لم تنطفئ تماما. فقد تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مشاهد رمزية، من بينها ما نُسب إلى نساء في تركيا وهن يرمين الحجاب في سياق تعبيري شعبي، يستحضر معاني الحمية والغيرة على الحرمات، في صورة رمزية تختزل حالة الاحتقان لدى قطاعات واسعة من المسلمين. قد يختلف تقييم هذه التعبيرات، لكنها تعكس بوضوح أن القضية لا تزال حاضرة في الوجدان، حتى وإن غابت عن حسابات السياسة.

إن أخطر ما يكشفه إغلاق المسجد الأقصى ليس فقط القدرة على فرض الأمر الواقع، بل قابلية هذا الواقع لأن يتحول إلى وضع طبيعي مع مرور الوقت، في ظل غياب ردود فعل بحجم الحدث. فالتاريخ يعلمنا أن الصمت، حين يطول، يتحول إلى شريك غير مباشر في تكريس الوقائع، وأن غياب الموقف لا يعني الحياد، بل يفتح المجال أمام الطرف الأقوى لفرض أجندته. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة فتح الأقصى، بل في إعادة الاعتبار لمركزيته في الوعي والقرار.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الشعوب قادرة على كسر القيود، وأن الأقصى ظل دائما عنوانا للالتفاف والوحدة، لكن ذلك يتطلب إرادة جماعية تتجاوز حدود البيانات إلى الفعل، وتنتقل من ردود الأفعال إلى المبادرة. فالمقدسات لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بمواقف واضحة، وسياسات مسؤولة، وتحرك واعٍ يدرك أن ما يجري اليوم قد يرسم ملامح الغد.

في النهاية، يبقى مشهد المآذن الصامتة في الأقصى أبلغ من كل الكلمات، فهو لا يعكس فقط غياب الأذان، بل يختزل حالة أمة بين الوعي والغفلة، وبين القدرة والعجز، وبين الحضور الرمزي والغياب الفعلي.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة