الأضرحة والمواسم.. طقوس شركية تهدد عقيدة المغاربة وتستغل الفقر والهشاشة

22 يوليو 2026 22:18

الأضرحة والمواسم.. طقوس شركية تهدد عقيدة المغاربة وتستغل الفقر والهشاشة

هوية بريس – عابد عبد المنعم

مع حلول فصل الصيف، لا تقتصر حركة التنقل في المغرب على الشواطئ والمنتجعات، بل تشهد عشرات الأضرحة والزوايا والمواسم الشعبية إقبالا كثيفا، خاصة من سكان العالم القروي وبعض الفئات الهشة، بحثا عن العلاج أو الزواج أو الإنجاب أو الرزق أو فك السحر أو قضاء الحاجات. غير أن هذه المواسم، التي يروج لها باعتبارها جزء من التراث الشعبي، أصبحت تثير انتقادات دينية وحقوقية متزايدة، بسبب ما تشهده من ممارسات شركية وخرافية وسلوكات منافية للدين والقانون.

فالعديد من العلماء والباحثين يؤكدون أن ما يجري في عدد من هذه المواسم تجاوز مجرد زيارة القبور والدعاء للأموات، إلى صرف أنواع من العبادة لغير الله، من الاستغاثة بالموتى، وطلب المدد منهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بالأضرحة، والتمسح بجدرانها، واعتقاد قدرتها على شفاء المرضى، أو تزويج العوانس، أو منح الذرية، أو جلب الرزق، وهي ممارسات يجمع علماء الإسلام على أنها تخالف أصل التوحيد الذي بعث الله به جميع الأنبياء.

وقد سبق للنائبة البرلمانية إيمان الماوي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، أن أثارت هذه القضية تحت قبة البرلمان، معتبرة أن عددا من الأضرحة والزوايا أصبح يحتضن طقوسا غريبة لا علاقة لها بالدين، وتحول إلى مقصد للراغبين في الزواج والإنجاب والعلاج، متسائلة عن استمرار مثل هذه المظاهر في مغرب القرن الحادي والعشرين.

ولا يقف الأمر عند حدود الانحراف العقدي، بل يمتد إلى مظاهر أخرى وثقها باحثون ميدانيون، من انتشار العرافين والمشعوذين، وبيع أوهام فك السحر وإبطال “الثّْقاف” وجلب المحبة، واستغلال البسطاء ماديا، فضلا عن تسجيل ممارسات أخلاقية خطيرة في بعض المواسم، من اختلاط غير منضبط، وتعاطي المخدرات والمسكرات، وأفعال مخلة بالحياء، بل وحتى طقوس صادمة تمارس باسم “البَرَكة” و”الولايَة”، لا تمت إلى الإسلام بصلة.

ومن أكثر النماذج إثارة للجدل ما يسجل في بعض المواسم الشهيرة، مثل موسم سيدي علي بن حمدوش أو مولاي بوعزة، حيث ما تزال فئات من الزوار تؤمن بقدرة المقبور على كشف الغيب، أو علاج الأمراض، أو الاستجابة للدعوات، بينما تنتشر في محيط هذه المواسم خيام العرافات والمشعوذين الذين يعرضون خدمات مرتبطة بالسحر والشعوذة مقابل مبالغ مالية.

ويحذر علماء الشريعة من أن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تمثل مجرد أخطاء أو عادات اجتماعية، بل تمس أصل العقيدة الإسلامية. فالقرآن الكريم شدد على أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله من أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار».

ويؤكد الفقهاء أن الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح والتوكل وطلب كشف الضر وجلب النفع، كلها عبادات لا يجوز صرفها إلا لله وحده، وأن الاعتقاد في قدرة الأموات على التصرف في الكون أو قضاء الحاجات يناقض التوحيد الذي جاء به الإسلام.

وليس هذا الموقف وليد المدرسة السلفية المعاصرة كما يروج البعض، بل هو موقف راسخ في التراث العلمي المغربي. فقد نقلت كتب المالكية عن الإمام مالك رحمه الله كراهته البناء على القبور وتجصيصها، والتحذير من تعظيمها بما يفضي إلى الغلو فيها. كما جعل رواد الحركة الإصلاحية المغربية في القرن الماضي، أمثال أبي شعيب الدكالي، ومحمد بن العربي العلوي، وعبد الله كنون، وأحمد بن شقرون، محاربة البدع والخرافات والقبورية أحد أهم محاور مشروعهم الإصلاحي، معتبرين أن إصلاح العقيدة هو المدخل الحقيقي لإصلاح المجتمع.

والمفارقة أن بعض هذه المواسم لا تشهد فقط انحرافات عقدية، بل تتحول أيضا إلى فضاءات خصبة لاستغلال النساء والفقراء والمرضى نفسيا وماديا، حيث تباع الأوهام باسم الكرامات، وتستنزف أموال المحتاجين تحت غطاء البركة والولاية، في غياب رقابة فعَّالة على ما يجري داخل هذه التجمعات.

ويبقى التحدي اليوم هو تعزيز الأمن العقدي للمغاربة، عبر نشر العلم الشرعي الصحيح، وتفعيل دور العلماء والمؤسسات الدينية في بيان حقيقة التوحيد، والتحذير من مظاهر الشرك والخرافة، مع تطبيق القانون على كل أشكال الشعوذة والاحتيال واستغلال المواطنين باسم الدين. فخطر هذه الممارسات لا يقف عند حدود إهدار الأموال أو تكريس الجهل، بل يمتد إلى أعظم ما يملكه الإنسان، وهو سلامة عقيدته ومصيره في الدنيا والآخرة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
26°
الخميس
24°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة