المجتمع المدني من الفعل “المؤطر” إلى الفعل “العفوي”

المجتمع المدني من الفعل “المؤطر” إلى الفعل “العفوي”
هوية بريس – زوهير النبيه باحث في علم الاجتماع
ظهر المجتمع المدني كواقع وكمفهوم، مثل عديد من المفاهيم المتعلقة بالديمقراطية في السياق الغربي في مقابل مفهوم الدولة، حيث يتم تعريفه استنادا إلى علاقته بها. ويمكن النظر إليه على أنه مجموع المؤسسات التي يسعى الأفراد من خلالها إلى مصالحهم خارج تدخل الدولة وتحكم السوق. وقد ظهر تعبير المجتمع المدني في السياق الفرنسي خلال القرن السابع عشر مقابلا لمفهوم “حالة الطبيعة” ثم تحول التقابل إلى الدولة. وقد أدى هذا التحول إلى اعتبار “المجتمع المدني” مرادفا للمجتمع المنظم سياسيا أي الدولة، ثم أصبح يمثل “المجتمع الخاص” بعد ذلك، ليبتعد مرة أخرى عن الدولة.
ويتكون المجتمع المدني من عدة فاعلين كالجمعيات الثقافية والاجتماعية والبيئية والمنظمات الحقوقية والتعاونيات والمبادرات الشبابية. ويتميز كما ورد، بالاستقلالية عن الدولة والسوق، ويعتمد على العمل التطوعي، ويسعى لتحقيق المنفعة العامة وليس الربح، كما يدافع عن القضايا الاجتماعية. ويلعب المجتمع المدني دور الإطار الذي يشارك من خلاله الأفراد في تدبير الشأن العام تحت غطاء الديمقراطية التشاركية. حيث لا يكتفي المواطن بالتصويت وانتخاب ممثليه بل يشارك في الحياة العامة عبر النقاش العمومي والتخطيط واتخاذ القرار والتتبع والتقييم.
ولهذه الغايات ظهر هذا المفهوم في دستور المملكة سنة 2011. فنجد في الفصل 12 الكلام الصريح عن المجتمع المدني الممثل بالجمعيات والمنظمات غير الحكومية ومشاركتها في قضايا الشأن العام. كما نجد في الفصل 13 الحديث عن إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها. أما الفصلين 14 و15 فيبسطان حق المواطنين والمواطنات في تقديم ملتمسات تشريعية وعرائض للسلطات العمومية. ولن نجادل في الشروط المعقدة للاستفادة من هاته الحقوق بقدر ما سنسلط الضوء على هامش الفعل الذي يتمتع به المجتمع المدني، وقوة المناصرة التي يمثلها في السياق المغربي.
يلاحظ باحثون مغاربة وجود عدد كبير من الجمعيات في المغرب يقدر بعشرات الآلاف، دون أن يكون لديها بالغ أثر يظهر في المجتمع. ويصف الباحث نور الدين البركاني هذا الواقع بجملة بليغة حيث يقول إن الجمعيات في المغرب: “كثرة في العدد وقلة في الأثر”. ولا شك أن في هاته الملاحظة وجاهة وصدقية لما فيها من مطابقة للواقع، إذا ما نظرنا إلى ما يعيشه الأفراد في حياتهم اليومية من إكراهات الزمان والمكان.
لنأخذ “الساعة الزائدة” مثالا واقعيا ننطلق منه لمحاولة النظر في بعض أدوار المجتمع المدني في المغرب. إلى حدود اليوم لم تتمكن القوى المدافعة عن المواطنين والمواطنات بكل أطيافها من تحقيق مطلب شعبي تعج به منصات التواصل الاجتماعي، حتى أنه يظهر في العديد من الصحف الإلكترونية تحت عناوين تجلي الرفض الشعبي الشديد والعارم: إلغاء الساعة الإضافية. ويُقْدم المواطنون والمواطنات -أكثر من 240000- اليوم على توقيع عريضة رقمية على شبكة الأنترنيت، مع تعذر تحقيق شروط إنجازها كما ينص عليه القانون 44.14 خصوصا المتعلقة بلائحة دعم العريضة، وفي غياب شبه تام لتأطير واضح من لدن ممثلي المجتمع المدني.
إن إقدام المغاربة على أشكال من التعبير الجماعي الرقمي التلقائي يعد مؤشرا “نسبيا” على ضعف التأطير الذي يفترض أن تضطلع به منظمات المجتمع المدني، كما أن هيمنة “الفعل العفوي” مقابل ضعف “الفعل المؤطر” تشكل دليلا ولو جزئيا على محدودية قدرة هذه المنظمات على تأطير المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى برامج تفاوضية منظمة. ورغم التحفظات الممكنة، خاصة اعتبار أن التعبير الرقمي قد يشكل فعلا مكملا لجهود المناصرة التي يقوم بها المجتمع المدني، فإن دور هذا الأخير يظل محدودا في هذا السياق.
فهيمنة “الفعل العفوي” في الفضاء الرقمي، بما يحمله من سرعة في الانتشار وقوة في التعبئة الظرفية، تقابلها هشاشة في الاستمرارية وضعف في القدرة على التراكم، وهو ما يكشف في الآن ذاته عن تراجع “الفعل المؤطر” الذي يفترض فيه أن يوفر آليات التنظيم والتأطير والتوجيه. ومن ثم، فإن هذا الوضع يعكس، ولو بشكل جزئي، قصوراً في قدرة منظمات المجتمع المدني على استيعاب التحولات الجديدة وإعادة تموقعها داخلها، سواء من خلال مواكبة أدوات التواصل الرقمي أو عبر تطوير استراتيجيات جديدة للتأطير.
إن التحدي المطروح اليوم لا يكمن فقط في تشخيص ضعف التأطير، بل في إعادة التفكير في أدوار المجتمع المدني وأدواته…



