د. سعد الدين العثماني يكتب: لا صحة بدون صحة نفسية

10 فبراير 2022 17:42

هوية بريس- د. سعد الدين العثماني

[email protected]

ليس الوعي بالصحة النفسية ومشاكل الصحة النفسية متوفرا للجميع، مثل ما هو الحال بالنسبة للصحة العضوية ومشاكلها، وذلك على الرغم من تشابههما على مختلف المستويات. ومع الأسف فإن عدم الوعي وبقاء جوانب غموض كثيرة لدى عدد من الناس، يمنعهم من الاستفادة من أحدث ما وصل إليه العلم في مجال الصحة النفسية. وأكثر من ذلك فإن الكثير من المفاهيم والأفكار المغلوطة تروج كأنها حقائق وتؤدي أحيانا إلى مآس إنسانية كان من الممكن تفاديها بسهولة.
إن الصحة النفسية عنصر أساسي ومهم من عناصر صحتنا العامة، وجزء لا يتجزأ منها، تماما مثل الصحة العضوية. لذلك تذكر منظمة الصحة العالمية باستمرار أنه “لا صحة بدون صحة نفسية”. ومن هنا فإن التعريف المعتمد للصحة بالمعنى الواسع، والذي نجده في جميع الأدبيات المتخصصة، يشمل أبعادها الأساسية الثلاثة، فهو يقرر أن “الصحة هي حالة من العافية الجسدية والنفسية والاجتماعية، وليست مجرد غياب المرض أو العجز”.
أما الصحة النفسية الجيدة أو العافية النفسية فهي “حالة العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته الذاتية، ويستطيع مواكبة ضغوط الحياة العادية، ويكون قادرا على العمل الإيجابي والمثمر، وعلى الإسهام بفعالية في مجتمعه”.
ومن العافية النفسية ينبع كل ما هو إيجابي في حياة الإنسان من مشاعر وأفكار وانطباعات ومعارف وعلاقات ومبادرات وسلوكات. ومن ثم، فإن العافية النفسية ليست فقط مطلوبة لذاتها، ولكنها تعد أيضاً مصدراً للسعادة والحياة الجميلة للإنسان ولمن حوله، وقد يكون صاحبها منبعا للطاقة الإيجابية للمجتمع من حوله.

البحث المستمر عن التوازن النفسي
ومن هنا فإن الصحة النفسية الجيدة أو العافية النفسية، هي حالة من التوازن في حياة الإنسان وفي علاقاته مع محيطه. فكل شخص يبحث باستمرار عن مستوى توازن بين أمرين هما: العوامل والمؤثرات المؤدية إلى الراحة والشعور بالرضا في مستوى أول، والعقبات والمنغصات التي يواجهها في حياته في مستوى ثان. وهكذا تتأرجح حالته بين عافية وراحة من جهة، وعناء وضنك من جهة أخرى، وتغلب جهة منهما قليلا أو كثيرا حسب مجمل العوامل الداخلية والخارجية.
فمن العوامل الداخلية: قوة الإيمان وقوة الصبر والتحمل وقوة الشخصية والمرونة النفسية أمام الضغوط وغيرها، ومن العوامل الخارجية: احتضان الأسرة أو الأصدقاء وغير ذلك من العوامل المساعدة.
والأمر المهم الذي نحتاج جميعا إلى الوعي به هو أنه ليس هناك شخص يتمتع بصحة نفسية مثالية كاملة في جميع الأوقات، بل إننا نعيش جميعا وباستمرار، صعودا وهبوطا في مسار صحتنا النفسية، ونبذل جهدا ديناميكيا متواصلا لتحسين صحتنا النفسية. فمشكلات الحياة المتوالية تؤثر بطرق مختلفة وعلى مستويات متباينة على عافيتنا وراحتنا النفسية. فمن منا لم يمر بمرحلة من القلق أو الضجر لسبب من الأسباب؟ ومن منا لم يشعر أمام حدث معين بضغط نفسي أو سوء مزاج؟ ومن منا لم يمر بخيبة أمل أو إخفاق؟ ومن منا لم يعان الإرهاق في فترة من الفترات؟ وأليس من غير الطبيعي وغير السوي ألا يكون للإنسان ذلك التفاعل النفسي مع التحديات من حوله؟
إذن فتلك طبيعة الحياة: يعيش كل واحد فيها حالة من البحث المستمر عن التوازن النفسي. وقد نقول بأن ذلك عامل من عوامل اكتساب الإنسان لخبرات الحياة وعامل من عوامل نضج شخصيته. وهذا من بين معاني قوله تعالى: “لقد خلقنا الانسان في كبد” (سورة البلد/ 4)، أي في شدة ومشقة، وقال الحسن البصري في معناها: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

العلاقة بين العافية والاضطراب النفسي
يعتقد الكثيرون أن التمتع بصحة نفسية جيدة يكفي فيه الخلو من الإصابة بأي اضطراب نفسي. لكن الصحيح أن الإنسان يمكن أن يكون خاليا من أي اضطراب نفسي أو مرض عقلي ولا يكون بصحة نفسية جيدة، فلا يشعر بالارتياح ولا بالعافية النفسية بسبب وجود ضغوط مؤثرة من محيطه أو إحباط من داخل نفسه مثلا.
كما يمكن للمرء أن يكون مصابا باضطراب نفسي أو عقلي وفي نفس الوقت يتمتع بصحة نفسية جيدة، وذلك بفضل واحد أو أكثر من العوامل الداعمة، والتي من أهمها: رعاية طبية أو احتضان أسري جيد أو دعم اجتماعي كاف أو عوامل نفسية داخلية مساعدة أو غيرها.
والخلاصة أن الصحة النفسية لدى أي شخص تمر بمراحل صعود وهبوط مستمرين طيلة حياته. وليس هناك أشخاص يتمتعون بصحة نفسية جيدة، بصفة نهائية ومستمرة، وآخرون لا يتمتعون بها وإن كانوا يعانون من مرض نفسي. وبالتالي فنحن جميعا معنيون بالاهتمام بصحتنا النفسية، وبرعايتها وتحسينها بصورة مستمرة.

الأبعاد الثلاثة للعناية بالصحة النفسية
يتفق الخبراء على أن هناك ثلاثة أبعاد تشكل بمجموعها أهم ما يجب العناية به في مجال الصحة النفسية.
أولا – العافية النفسية، وهي تشمل كل ما هو إيجابي وتنمية للصحة النفسية، ويذكرون منه بالخصوص تنمية الشعور بالرضا وتحقيق الذات والتزود بالطاقة النفسية وقيام الفرد بأدواره الاجتماعية باقتدار.
ثانيا – الصعوبات النفسية التفاعلية الناجمة عن مواقف وأحداث عصيبة، مثل وفاة قريب أو حبيب، أو فشل الدراسي أو فقدان عمل أو غيرها. وهذه الصعوبات ليست لها بالضرورة علاقة بالإصابة باضطراب أو مرض نفسي. فيمكن أن تأخذ تلك الصعوبات شكل إجهاد أو قلق أو اكتئاب، أو أعراض مشابهة، قد تكون مؤقتة وقد تكون مستمرة. وفي هذه الحالة الأخيرة قد تحتاج إلى تدخل طبي نفسي متخصص.
ثالثا – الاضطراب نفسي أو الإعاقة نفسية، والتي تتطلب رعاية طبية متخصصة، ولها تصنيفات تشخيصية وفق معايير محددة.
إن التمييز بين هذه المستويات الثلاثة مهم للوعي بما يجب على كل واحد منا القيام به – في مرحلة معينة – تجاه نفسه وتجاه أسرته للوصول إلى أقصى عافية نفسية ممكنة، وسنعود – إن شاء الله – لبسط التداخل بين تلك المستويات تصحيحا لبعض الأخطاء في فهمها وتمثلها.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M