كأس إفريقيا والفتنة الناطقة.. منبر الجمعة مرة أخرى خارج سياق الواقع

كأس إفريقيا والفتنة الناطقة.. منبر الجمعة مرة أخرى خارج سياق الواقع
هوية بريس – عابد عبد المنعم
في سياق وطني وإقليمي وإفريقي مشحون، ومع تصاعد موجات التراشق اللفظي والدعوات الصريحة للعنصرية والطائفية، وما رافق ذلك من مطالب مقلقة بتهجير أفارقة من المغرب، تبرز أسئلة حارقة حول دور الفاعل الديني الرسمي، وحدود مسؤوليته الأخلاقية والشرعية في تحصين المجتمع من الانزلاق نحو منطق الجاهلية العمياء التي حذر منها الإسلام بوضوح.
فخلال الأسابيع الأخيرة، وبالتزامن مع تداعيات مرتبطة بكأس أمم إفريقيا وما رافقها من احتكاكات وأحداث وغليان على شبكات التواصل الاجتماعي، انتظر الرأي العام تفاعلا واضحا من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يرقى إلى مستوى اللحظة، ويستحضر البعد القيمي للإسلام في مواجهة خطابات الكراهية والتمييز، وصون كرامة الإنسان بغض النظر عن لونه أو أصله أو انتمائه.
غير أن خطبة الجمعة الأخيرة جاءت في اتجاه مغاير تماما، إذ خُصِّصت، مرة أخرى، لموضوع إداري يندرج في إطار ما يُعرف بـ”خطة تسديد التبليغ”، مع تركيز مطولا على منهجية التبليغ، ومحاوره الخمسة، وأثر العلم في العمل، دون أي إحالة مباشرة أو غير مباشرة على ما يعتمل في المجتمع من توتر خطير، أو ما يُتداول علنا من دعوات تتناقض صراحة مع مقاصد الشريعة وروح الإسلام.
المفارقة هنا لافتة. فالوزارة نفسها، التي سبق أن تفاعلت مع فوز المنتخب الوطني للشباب، وباركته بخطاب ديني ذي حمولة رمزية، معتبرة أن “الله لا يضيع أجر من أحسن عملا”، اختارت هذه المرة الصمت، رغم أن ما يجري يمس صميم العقيدة والقيم التي يُفترض أن تحرسها الأخوة الإيمانية، وحرمة الظلم، وتجريم العصبية، ورفض كل أشكال التمييز والولاءات خارج دائرة الإسلام.
إن مضمون الخطبة، كما ورد بعنوانها (خُطْبَةٌ جَامِعَةٌ لمَضَامِينِ وَمَقَاصِدِ خُطَبِ تَسْدِيدِ التَّبْلِيغِ) ونصِّها، زاخر بالآيات والأحاديث الجامعة، ويتحدث نظريا عن التوحيد، والعمل الصالح، والأخلاق، والعلاقات داخل المجتمع، واحترام العقود والأنظمة. غير أن الإشكال لا يكمن في النصوص المستحضرة، بل في غياب التنزيل الواقعي لها. فكيف يمكن الحديث عن أثر التدين في السلوك دون إدانة صريحة لسلوكات عنصرية تُرتكب على مرأى ومسمع من الجميع؟ وكيف يستقيم التذكير بمقاصد الشريعة، مع تجاهل وقائع تضرب تلك المقاصد في الصميم؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتشار خطابات الكراهية، بل في الفراغ القيمي الذي يخلّفه صمت المؤسسات المفترض فيها أن تقود الوعي، لا أن تكتفي بتدبيره إداريا. فالدين، كما تؤكد الخطبة نفسها، ليس شأنا خاصا بين العبد وربه، بل منظومة قيم تضبط علاقة الإنسان بغيره، وتمنعه من الظلم، وتقطع مع العصبيات الجاهلية، مصداقا لقول النبي ﷺ: “ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية”.
من هذا المنطلق يحق لكل متابع أن يتساءل: هل تحولت خطبة الجمعة إلى أداة لتكريس الانضباط المؤسساتي فقط، أم ما تزال فضاء حيا لمخاطبة المومنين والمومنات من منبر رسول الله ﷺ.
إن مواجهة الفتنة لا تكون بالصمت، ولا بخطب جوفاء منفصلة عن واقع الناس ومعيشهم، بل تكون بخطاب ديني مسؤول يسمّي الأشياء بأسمائها، ويجرّم العنصرية، ويدين الظلم، ويُذكِّر بأن كرامة الإنسان أصل شرعي لا يقبل المساومة، وبأن الولاء يكون على الإيمان والتقوى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
دون ذلك، ستظل الخطب الموحدة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تحت إشراف السيد الوزير، تغرد خارج السرب، وتعمق الهوة بين واقع يعيشه المغاربة بكل توتراته وأسئلته، وخطاب يتلى داخل المساجد وكأنه معزول عن نبض المجتمع وتحولاته.



