لعنصر: الجهوية لم ترتق بعد إلى انتظارات الملك والمواطن

هوية بريس- متابعات
قال الوزير السابق والقيادي الحركي امحند لعنصر، خلال مداخلته ضمن المائدة المستديرة التي نظمها منتدى المتوسط للتبادل والحوار حول حصيلة الجهوية المتقدمة، إن تقييم هذا الورش لا يمكن أن يتم بمعزل عن مسار اللامركزية الذي انطلق بالمغرب مباشرة بعد الاستقلال، معتبرا أن الجهوية الحالية تمثل محطة ضمن مسلسل إصلاح مؤسساتي طويل بدأ بإحداث الجماعات الترابية سنة 1959، ثم العمالات والأقاليم، قبل أن يتطور إلى الجهوية المؤسساتية التي تكرست مع دستور 2011 والقوانين التنظيمية لسنة 2015.
وأوضح العنصر أن التجارب السابقة للجهوية، سواء تجربة الجهات الاقتصادية سنة 1971 أو تجربة 1997، مهدت لإرساء الجهوية المتقدمة، لكنها لم تحقق الأهداف المرجوة، سواء على مستوى التنمية أو بناء هوية جهوية حقيقية. وأضاف أن التجربة الأولى كانت ذات طابع إداري أكثر منه مؤسساتيا، فيما ظلت تجربة 1997 محدودة بسبب ضعف الاختصاصات والإمكانات، رغم أنها شكلت، بحسب تعبيره، “عقد ميلاد الجهوية المؤسساتية”.
وأكد أن الملك الراحل الحسن الثاني كان قد اعتبر مشروع الجهات سنة 1997 غير كاف من حيث الاختصاصات المخولة للرؤساء، غير أن الإدارة آنذاك فضلت التدرج في نقل الصلاحيات بدعوى الحاجة إلى تكوين نخب قادرة على تدبير هذا الورش، مشيرا إلى أن هذا التوجه جعل الجهة لا تحقق لا التنمية الاقتصادية المنتظرة ولا ترسيخ الوعي والانتماء الجهوي.
وسجل العنصر أن الجهوية المتقدمة التي أطلقت في ظل دستور 2011 لم تستجب، بعد مرور أكثر من عقد، لطموحات الملك محمد السادس ولا لتطلعات المواطنين، رغم ما رافق انطلاقتها من آمال كبيرة وإجماع على أنها ستكون مدخلا لمعالجة الاختلالات المجالية وتحقيق التنمية. وأوضح أن الولايات الأولى للجهات استفادت من برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي رصدت له اعتمادات مالية مهمة، وهو ما مكنها من إنجاز مشاريع في العالم القروي تتعلق بالطرق والتعليم والصحة، إلا أن أثرها ظل محدودا في تحقيق الإقلاع الاقتصادي للجهات.
وأرجع الأمين العام السابق للحركة الشعبية هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ضعف الموارد البشرية المؤهلة، مبرزا أن الجهوية ليست مجرد نقل اختصاصات، بل تتطلب كفاءات متخصصة في التنمية الترابية، وهو ما لم يكن متوفرا بالشكل الكافي. وأضاف أن الرهان على نقل موظفي الإدارات المركزية إلى الجهات أثبت محدوديته، لأن الإدارات المركزية نفسها لا تتوفر على فائض من الأطر المؤهلة، فضلا عن صعوبة انتقال الكفاءات إلى مختلف الجهات.
كما اعتبر أن الموارد المالية المخصصة للجهات ظلت دون مستوى الطموحات، مشيرا إلى أن اعتماد سقف محدد من عائدات الضريبة على الشركات لفائدة الجهات جعل إمكاناتها المالية محدودة، في حين أن المقارنات الدولية تظهر أن الجماعات والجهات في عدد من الدول تستفيد من نسب أكبر بكثير من الثروة الوطنية.
وتوقف العنصر عند ما وصفه بعدم الدقة في توزيع الاختصاصات بين مختلف مستويات الجماعات الترابية والإدارة المركزية، موضحا أن العديد من المجالات يمكن أن تتدخل فيها الجهة أو الجماعة أو الوزارة في الوقت نفسه، وهو ما خلق تداخلا في المسؤوليات، وأدى إلى انحرافات جعلت الجهات تمول مشاريع تقررها الوزارات المركزية بدل أن تنفذ مشاريع نابعة من أولوياتها التنموية الخاصة.
وأشار إلى أن أكبر العراقيل التي واجهت ورش الجهوية يتمثل في عدم انخراط الإدارات المركزية في فلسفة نقل السلطة والاختصاصات، معتبرا أن مقاومة التغيير داخل الإدارة المركزية عطلت تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، الذي وصفه بالشرط الأساسي لإنجاح الجهوية المتقدمة، مؤكدا أن هذا الورش ما يزال إلى اليوم دون المستوى المطلوب.
وأضاف أن غياب فضاءات مؤسساتية للحوار المنتظم بين الحكومة ورؤساء الجهات عمق الإشكالات القائمة، موضحا أن العلاقة أصبحت محصورة عمليا مع وزارة الداخلية، رغم أن الوالي، وفق الدستور، يمثل الحكومة وليس الوزارة وحدها، وهو ما عزز الانطباع بعودة الوصاية بصيغ جديدة.
وبخصوص التعديلات الأخيرة التي طالت القانون التنظيمي للجهات، قال العنصر إنها لم تعالج جوهر الإشكالات، إذ ما تزال العديد من المقتضيات تفتقر إلى الوضوح، خاصة ما يتعلق بالاختصاصات الذاتية ومفاهيم من قبيل “دعم الاستثمار المنتج”، متسائلا عن الجهة التي ستحدد طبيعة هذا الاستثمار وحدود تدخل كل مؤسسة فيه.
وفي قراءة سياسية للموضوع، اعتبر العنصر أن مشروع الجهوية المتقدمة لا يمكن فصله عن تطور قضية الصحراء المغربية، مشيرا إلى أن فكرة الجهوية كانت حاضرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما تحدث الملك الراحل الحسن الثاني عن نموذج قريب من النظام الجهوي الألماني، معتبرا أن المغرب كان يهيئ منذ ذلك الحين لتصور يقوم على منح صلاحيات واسعة للأقاليم في إطار الوحدة الوطنية.
وأوضح أن تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 ثم إطلاق ورش الجهوية المتقدمة سنة 2008 يعكسان هذا الترابط، معتبرا أن الحرص على عدم توسيع اختصاصات الجهات بشكل كبير منذ البداية كان مرتبطا أيضا بسقف الصلاحيات التي يقترحها المغرب في إطار مبادرة الحكم الذاتي، حتى لا يتم تجاوز ما يمكن أن يكون موضوع تفاوض بشأن الصحراء.
وختم العنصر مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل الجهوية المتقدمة يبقى مرتبطا بتطور هذا الملف، معتبرا أنه كلما اتضحت بشكل نهائي معالم الحل السياسي لقضية الصحراء، أصبح من الممكن توسيع اختصاصات الجهات وتعزيز مواردها، بما يسمح لها بالقيام بأدوار أكبر في التنمية الترابية، مع استبعاد أن يتم اعتماد مستوى واحد من الصلاحيات بالنسبة إلى جميع جهات المملكة.



