ما لم تقله خطبة الجمعة “صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأهم دروسها”

هوية بريس – ذ.خالد التواج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذه حلقات أكتبها كل أسبوع عن خطبة الجمعة الموحدة ما لها وما عليها، مساهمة متواضعة مني في الارتقاء بهذا الخطاب الدعوي الرسمي الموجه لعموم المغاربة، وسميتها “ما لم تقله خطبة الجمعة”.
نحن في أشهر الحج، وهذه هي الخطبة الثالثة في موضوع الحج لهذا الموسم بعد خطبتي : .. «مِنْ مَقَاصِدِ الْحَجِّ تَحْرِيرُ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ» “ومن مقاصد الحج الإخلاص والتفويض”.
ويحمد للخطبة الموحدة وحدة موضوعها بغض النظر عن طريقة عرضه وتناوله، في مقابل تعدد المواضيع في الخطبة الواحدة مما يتشتت معها الذهن، ولا يخرج منها المستمع بكبير فائدة، خصوصا إذا كان الخطيب يرتجل من غير إعداد جيد، ويفتح نوافذ كثيرة من غير تركيز.
كما يحمد للخطبة قصرها وتركيزها، إذ تؤد ى في حوالي عشرة دقائق إلى خمسة عشر، وفي ذلك رحمة بالمستمعين الذين لا يستطيعون الجلوس لمدة طويلة بسبب المرض أو الكبر، أو الذين لهم التزامات في الدراسة أو العمل.
وكم رأينا من الخطباء من يستغرق ساعة أو أكثر لصلاة الجمعة، وحين يُنبَّه لذلك يقول لهم: تجلسون في المقاهي لساعات طوال وتحاسبونني على وقت الجمعة، ومن لم يرغب في الصلاة معي فليذهب إلى مسجد آخر. وكأن المسجد أصبح ملكه يتصرف فيه كيف يشاء من غير حسيب ولا رقيب.
ومن السنة عدم تطويل الخطبة لغير حاجة، كما في حديث عمار قال: إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : “إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ”.
ومن الملاحظات على خطبة هذا الأسبوع:
الملاحظة الأولى: تخصيص ثلاث خطب لموضوع الحج كثيرمع أن المعنيين بالحج لا يمثلون سوى واحد في الألف،( 34 ألف حاج وحاجة) وهؤلاء المفروض أنهم حضروا دورات التأهيل للحج التي تنظمها وزارة الأوقاف أو غيرها، على أن من لم يسبق له الحج يستحسن ترغيبه فيه وبناء الأشواق عنده ببيان مقاصده وحكمه، فالحج هو الركن الخامس، وهو توبة العمر، ولا مجال لتأخيره إذا توفرت الاستطاعة من مال وصحة وفراغ، فكثير من المغاربة لا يحجون إلا عند كبر سنهم، فيجدون صعوبة شديدة في أداء مناسك الحج ويلقون عنتا كبيرا، والحج بما فيه من مشقة ومجاهدة فإن أفضل مرحلة لأدائه هي مرحلة الشباب.
فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يَعْرِض له”. وعن الفضل – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “مَن أراد الحجَّ، فليَتَعجَّل؛ فإنه قد يَمْرَض المريض، وتَضِلُّ الضالَّة، وتَعْرِض الحاجة.”
الملاحظة الثانية: لم يتم إتمام حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخرها في الخطبة، حيث لم يذكر نزوله إلى مكة حيث أتى البيت فطاف طواف الإفاضة، وهو -أي طواف الإفاضة- ركن من أركان الحج ثم حلق رأسه فتحلل واغتسل وتطيب.
الملاحظة الثالثة: مرت الخطبة مرور الكرام على قوله صلى الله عليه وسلم: “يا أَيُّها الناسُ! عليكم بالسكينةِ، فإنَّ البِرَّ ليس بالإيضاع”. ولم تشر إلى أمر بالغ الأهمية وهو ما يقع فيه كثير من الحجاج من التدافع والتزاحم والإيذاء سواء في أداء المناسك أو في المطاعم المشتركة أو المصاعد في الإقامات وربما أدى ذلك إلى ما لا تحمد عقباه.
الملاحظة الرابعة: قبل الحديث عن مقاصد الحج التي ذكرت في الخطبتين السابقتين وهما: “مقصد تحرير الإنسان من داعية هواه” و”مقصد الإخلاص والتفويض”، ينبغي الحديث عن الأحكام، فهي تبع لها، إذ أن معرفة الحكم الشرعي مقدمة على معرفة مقصده.
الملاحظة الخامسة: لما كان الحج من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد المسلم الاستطاعة بسبب المرض أو الوباء أو عدم القدرة المالية – فإن الله شرع لعباده أعمالًا وقرباتٍ يبلُغ أجرها أجرَ الحج والعمرة. وهذه الأعمال التي تعدل الحج إنما تكون في الجزاء، لا في الإجزاء، وإلا فحج الفرض لا يسقط عن القادر عليه إذا انتفتِ الموانع، فإذا وُجدت الموانع من مرض أو وباء أو عدم قدرة، تأكدت تلك الأعمال. ولإشراك عموم الناس في أجواء الحج يستحسن دعوتهم إلى هذه الأعمال الصالحة التي تعدل الحج والعمرة في الأجر.
الملاحظة السادسة: المناسبة شرط كما يقال، نحن على أبواب شهر ذي الحجة شهر الله المحرم وفيه مناسبتان عظيمتان:
الأولى: العشر من ذي الحجة، التي قال فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ”.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره”. فلا بد من تخصيص خطبة الأسبوع المقبل للحديث عن هذه العشر وفضائلها وتحفيز الناس على اغتنام أوقاتها بالأعمال الصالحة، أو على الأقل تناولها في الخطبة الثانية.
الثانية: عيد الأضحى، وهي فرصة للتذكير بأضحية العيد، أحكامها ومقاصدها، وذلك في خطبة الأسبوع المقبل، فهي سنة مؤكدة للقادر عليها، وليست ركنا من أركان الدين، فلا يضيق المسلم على نفسه فيها، فيبيع متاعه من أجلها، أو يقترض بالربا لشرائها، ومن جهة أخرى دعوة تجار المواشي إلى عدم الجشع والمغالاة في الأثمان طلبا للربح الفاحش.
الملاحظة السابعة: مجتمعنا يعاني الفقر والهشاشة والأمراض، والعمل على التخفيف من مظاهرها ولو جزئيا أولى من تكرار الحج والعمرة وصرف أموال طائلة في عبادة نافلة قاصرة النفع على صاحبها، كان الأولى صرفها فيما ينفع الفقراء في معاشهم وصحتهم وتفريج كروبهم والتخفيف من معاناتهم.
ورد في ذلك قصة لها عبرة لابن المبارك العالم التاجر تلميذ الامام مالك: خرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته، ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقي على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال، فظلم وأخذ ماله، وقتل، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.”
الملاحظة الثامنة: الخطبة لم تشر إلى ضرورة التفقه في أحكام الحج للمقبل على أداء النسك، فللحج أركان وواجبات ومفسدات ومبطلات، وبالنظر إلى أنه عبادة لا تتكرر في عمر المسلم، وأن الحجة الأولى هي الفريضة وما عداها يكون نافلة، فلا مناص من الاطلاع على فقه أحكام الحج ومقاصده بما ييسر أداء النسك على بينة وبصيرة وإحسان، وليس أن يفعل الحاج بطريقة آلية ما يفعله الناس.
صحيح أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية تُشرف بتنسيق مع المجالس العلمية المحلية على تأطير مكثف للحجاج في كل موسم حج يستفيد منه الحجاج، يشمل التأطير دورات تدريبية فقهية، إدارية، وصحية، مع إطلاق تطبيق رقمي شامل يُقدم إرشادات ودروساً بلهجات وطنية، مما يضمن أداء المناسك بيسر. إلا أن هذه الدورات تعرف غيابا كبيرا، خصوصا في العالم القروي، كما أن الحجاج يحتاجون إلى المواكبة خلال أداء المناسك بعين المكان، وهو الأمر الذي يصعب حصوله لجميع الحجاج (34 ألف حاج وحاجة)ربسبب قلة الأطر المغربية المشرفة على تأطير الحجاج في الديار المقدسة.
وينتظر أن يتحسن تأطير الحجاج مستقبلا، حيث ذكرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن إجمالي الحجاج لهذا الموسم 1447ه هو: 34,000 حاج وحاجة (22,200 ضمن التنظيم الرسمي، و11,800 عبر الوكالات). وأن معدل تأطير التنظيم الرسمي في موسم 1447ه هو: مؤطر مرافق لكل 49 حاجاً. أي 453 مؤطرا ومؤطرة.
الملاحظة التاسعة: الخطبة أغفلت الحديث عن أهم شيء ينبغي أن يلتزم به الحاج أثناء حجه وهو حسن الخلق وحسن العشرة والصبر مع الرفقاء وعموم الناس، ففي الحج تجتمع عدة أمور تظهر طبائع الناس وشخصياتهم، مثل طول المعاشرة والاحتكاك اليومي والمبيت المشترك، ومثل المعاملات المالية، ومثل حال الغضب والرضا. وقد ينتج عن ذلك خصام وشجار وسباب وسوء أدب لأتفه الأسباب.
عن الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه حين جاءه شاهد يشهد عنده فقال له عمر: ائتِ بمن يعرِّفك؛ فجاء برجل، فقال له: هل تزكِّيه؟ هل عرفته؟ قال: نعم، فقال عمر: وكيف عرفته؟ هل جاورته المجاورة التي تعرف بها مدخله ومخرجه؟ قال: لا؛ قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين تعرف بهما أمانة الرجال؟ قال: لا ؛ فقال: هل سافرت معه السفر الذي يكشف عن أخلاق الرجال؟ قال: لا، فقال عمر بن الخطَّاب: فعلَّك رأيته في المسجد راكعاً ساجداً، فجئت تزكِّيه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر بن الخطاب: اذهب فأنت لا تعرفه، ويا رجل ائتني برجل يعرفك فهذا لا يعرفك”.
ولذلك جاء الأمر الإلهي للحجاج بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:197]. قال القرطبي رحمه الله: “هذا تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش، وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال”.
وقد قيل جمع الحج ثلاثة أصول: (فلا رفث): عفة، (ولا فسوق): تقوى، (ولا جدال): أخلاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
– صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (869).
– رواه أحمد (1/313)، والحاكم (1/448)، وهو حديث حسن بشواهده.
– حسن: رواه ابن ماجه (2883).
-صحيح البخاري. باب: فضل العمل في أيام التشريق.
– فتح الباري، شرح صحيح البخاري، (3/585).
– الخطيب في تاريخ بغداد، وابن كثير في البداية والنهاية كلاهما في ترجمة ابن المبارك.
– أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية، وقال ابن كثير : رواه البغوي بإسناد حسن، وذكر ابن حجر أنَّ هذا الأثر صحَّحه أبو علي بن السكن، بينما ضعَّف الأثر العقيلي في الضعفاء، وقد خرَّج الشيخ الألباني طريقاً لهذا الأثر في إرواء الغليل(8/260) ومال إلى تصحيحه..
– تفسير القرطبي،2/380.



