“مقام التبرج”! من رابعة العدوية إلى “التصوف المؤنث”.. ماذا يحدث بالرباط؟

14 يونيو 2026 09:27

“مقام التبرج”! من رابعة العدوية إلى “التصوف المؤنث”.. ماذا يحدث بالرباط؟

هوية بريس – عابد عبد المنعم

أثار المؤتمر الدولي الأول للتصوف النسائي، الذي احتضنته أكاديمية المملكة بالرباط (10-11 يونيو 2026) تحت شعار إبراز إسهامات النساء في التراث الصوفي، نقاشا تجاوز حدود البحث الأكاديمي والتوثيق التاريخي، ليمس أسئلة عميقة تتعلق بطبيعة التدين وحدود توظيف التراث الديني في خدمة أجندات فكرية معاصرة.

ففي الوقت الذي قدم فيه المؤتمر نفسه باعتباره مبادرة للاعتراف بإسهامات النساء المتصوفات وإعادة الاعتبار لرموز نسائية ظلت على هامش السرديات التاريخية، رأى منتقدون أن الخطاب الذي رافق هذا الحدث لم يكن بريئا من التأثر بالمقولات النسوية الحديثة، وأنه يسعى إلى إعادة قراءة الدين والتراث من خلال ثنائية الرجل والمرأة، بدل النظر إليهما باعتبارهما شريكين في التكليف والعبودية لله تعالى.

ولعل أبرز ما لفت الانتباه في هذا السياق تدوينة د. رشيد بن كيران، التي عقد فيها مقارنة ساخرة بين رابعة العدوية، باعتبارها نموذجا للزهد والتجرد والسمو الروحي، وبين الصورة التي ظهرت بها بعض المشاركات في المؤتمر. فقد طرح الفقيه المغربي سؤالا استنكاريا حول مدى انسجام المظهر والسلوك مع المضامين الروحية التي يمثلها التصوف في جذوره التاريخية، متسائلا عما إذا كان (مقام التبرج) قد أصبح من مقامات السالكين في النسخة الجديدة من التصوف المؤنث.

وتكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها لا تتوقف عند قضية اللباس أو المظهر في حد ذاته، وإنما تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى الانسجام بين الخطاب والممارسة. فالتصوف الإسلامي، في أصوله الكبرى، لم يكن مجرد احتفاء بالرموز أو الأسماء، بل كان مدرسة ترفع شعار تزكية النفس ومجاهدة الهوى والالتزام بأحكام الشريعة ظاهرا وباطنا. ولذلك كان كبار أئمة التصوف يؤكدون أن كل طريق لا يمر عبر الكتاب والسنة فهو طريق مسدود.

ويلاحظ عدد من المتابعين أن بعض الخطابات المعاصرة التي تتخذ من التصوف عنوانا لها تميل إلى التركيز على مفاهيم السلام والتسامح والتعايش، وهي قيم أصيلة في الإسلام بلا شك، لكنها تُطرح أحيانا بصورة مبتورة عن منظومتها الشرعية الكاملة، بما يجعل الدين أقرب إلى تجربة روحية فردية أو ثقافة إنسانية عامة منه إلى كونه منهجا متكاملا للحياة يقوم على الالتزام بالأوامر واجتناب النواهي.

ومن هنا يبرز التخوف من أن يتحول التصوف إلى مجرد وعاء رمزي يتم من خلاله تمرير تصورات مستمدة من المرجعيات النسوية الغربية، بحيث يصبح الحديث عن (التصوف النسائي) مدخلا لإعادة إنتاج سردية الصراع بين الرجل والمرأة داخل المجال الديني، رغم أن النصوص الإسلامية المؤسسة لا تقوم على هذه الثنائية الصدامية، وإنما على مبدأ التكامل والتعاون والتكافل في إطار العبودية المشتركة لله تعالى.

كما أن التركيز المكثف على مفاهيم مثل (الفكر الذكوري) و(القيادة النسائية) و(إعادة كتابة التاريخ من منظور النساء) يثير تساؤلات حول ما إذا كان الهدف هو خدمة المعرفة التاريخية فعلا، أم توظيف التراث الصوفي لإضفاء الشرعية على أجندات فكرية معاصرة تبحث عن سند ديني ورمزي داخل المجتمعات المسلمة.

إن الدين في التصور الإسلامي ليس مجرد هوية ثقافية ولا تجربة روحية معزولة، بل هو التزام شامل كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}. ولذلك فإن أي مشروع يروم تجديد الخطاب الديني أو إعادة قراءة التراث يظل مطالباً بالحفاظ على هذا التوازن بين الروح والشريعة، وبين القيم والأحكام، وبين البعد الإنساني والالتزام التعبدي.

ويبقى السؤال الذي أثاره المؤتمر مشروعاً: كيف يمكن استحضار إسهامات النساء العالمات والمتصوفات في التاريخ الإسلامي؟ غير أن السؤال المقابل لا يقل أهمية: هل يتم ذلك في إطار المرجعية الإسلامية الجامعة، أم في إطار إعادة تشكيل الدين وفق تصورات فكرية مستوردة تبحث عن شرعية من داخل التراث؟ وبين السؤالين تتحدد حقيقة المشروع وحدود تأثيره في المستقبل.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
الإثنين
22°
الثلاثاء
24°
الأربعاء
24°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة