بين التسرّع والإنصاف.. كيف نحكم على البنوك التشاركية؟

10 أبريل 2026 20:37

هوية بريس – ذ.نبيل العسال

في الحقيقة، كثير من الكلام الذي يُتداول في بعض المقالات حول البنوك التشاركية، هو كلام متسرّع لا يستند إلى آراء العلماء المعتبرين ولا إلى اجتهادات الهيئات الشرعية المختصة.

بل إن بعضه يصل إلى حد إطلاق أحكام عامة تهدف -بشكل مباشر أو غير مباشر- إلى التشكيك في هذه التجربة ومحاولة وأدها، وهذا أمر خطير.

إن الحكم في مثل هذه القضايا لا يُؤخذ من الانطباعات أو المقالات غير الموثقة، بل يُرجع فيه إلى أهله: –> إلى العلماء، والفقهاء، والهيئات الشرعية المعتمدة، التي اشتغلت لسنوات طويلة على دراسة هذه المنتجات، وضبطها، ومراقبتها من خلال التدقيق الشرعي.

وقد أفرزت هذه الجهود منتجات مالية مطابقة للشريعة إلى حد كبير، مع الاعتراف بوجود بعض الإشكالات والنقائص التي تعتريها و التي يتم العمل على معالجتها وتطويرها باستمرار.

لذلك، فإن إطلاق الأحكام دون تثبت، ورمي هذه البنوك بالصورية أو التحايل، قد يساهم -بقصد أو بغير قصد- في خدمة توجهات تسعى إلى تكريس الربا في المجتمع، وإضعاف كل محاولة لبناء بديل أخلاقي مشروع.

وهذا الصراع ليس جديدًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 275 سورة البقرة.

فالأصل في المعاملات الإباحة، كما قرر العلماء، ما لم تتضمن علة للتحريم كالربا أو الغرر أو محرمًا بيّنًا.

أما القول بأن هذه المعاملات صورية، فهو حكم شخصي خاص يحتاج إلى تحقق دقيق، لأن البنك في كثير من الصيغ -كالمرابحة- يشتري السلعة وتدخل في ضمانه، ثم يبيعها للعميل، وهذا له أصل معتبر في الفقه.

وقد نبّه بعض أهل العلم إلى خطورة التضييق غير المبرر، بقولهم: “لا تُحجِّر واسعًا” ولا يجوز تعطيل مصالح المسلمين . فالتحريم له اهله وليس كل من هب ودب.

ومن جهة أخرى، ليس من الإنصاف اختزال البنوك التشاركية في منتج واحد فقط، وهو المرابحة، ثم إصدار حكم عام عليها بناءً على ذلك.

فالبنوك التشاركية هي مؤسسات مالية متكاملة تقدّم مجموعة من الخدمات والمنتجات، من بينها الحسابات الجارية، والودائع الاستثمارية، وخدمات الأداء والتحويل.

ورغم أن المرابحة تستحوذ حاليًا على الحصة الأكبر، فإن الحسابات الجارية تُعد من أهم الخدمات، بل هي أساس التعامل اليومي لكل شخص، حيث تمكّنه من حفظ أمواله، وإجراء معاملاته، واستعمال وسائل الأداء بسهولة، وأصبحت في عصرنا من الضروريات.

وهذه الخدمات تُقدَّم في إطار خالٍ من الفوائد الربوية، وهو جانب مهم لا ينبغي إغفاله عند التقييم.

لذلك، فإن الحكم على البنوك التشاركية فقط من خلال المرابحة هو حكم خاطيء، بل غير منصف، لأنه يغفل جانبًا كبيرًا من نشاط هذه المؤسسات.

فهل يُعقل أن نُضيّق على الناس في كل معاملاتهم؟

وهل نمنعهم من بدائل أفتى بجوازها أكثر أهل العلم في هذا العصر؟

إن مثل هذا الخطاب يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، منها:

● التشكيك في البدائل الشرعية

● إضعاف الثقة في المؤسسات الإسلامية

● وفتح المجال أمام هيمنة المعاملات الربوية

لذلك، وجب التنبيه إلى أن كثيرًا من هذه المقالات لا تستند إلى مراجع علمية موثوقة، ولا إلى هيئات شرعية معروفة، وكأن الهدف هو إفشال تجربة ما زالت في بدايتها، كما حدث تاريخيًا مع كل مشروع يسعى إلى ترسيخ القيم والأخلاق في الاقتصاد.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء
23°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة