هل كل ما لم يأكله النبي ﷺ مضر ويجب تركه؟

هوية بريس – د.رشيد بن كيران
هل كل ما لم يأكله النبي ﷺ مضر ويجب تركه؟
الترك النبوي بين العادة والتشريع:
تصحيح ميزان الاستدلال
لست من أهل الاختصاص في علم التغذية ولا في دقائق الصناعات الغذائية، وإنما مجالي الذي أتكلم منه هو مجال الفقه الشرعي، من حيث بيان ما يحل من الأطعمة وما يحرم، وفق القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية وأصولها.
غير أن الذي دعاني إلى الخوض في هذا الموضوع، هو ما لاحظته من تسرع بعض المتكلمين في إقحام الأدلة الشرعية في غير محلها، واستدعائها لإثبات مسائل ليست من جنسها؛ إذ رأيت من يحتج بترك النبي ﷺ لبعض الأطعمة دليلا على عدم جودتها كمن زعم أن النبي عليه الصلاةوالسلام لم يأكل الدجاج، أو على عدم صلاحيتها من جهة الطب والمنفعة، وهذا خلط واضح بين مراتب الأحكام، واضطراب في فهم مناطات الأدلة.
فالأصل المقرر عند الفقهاء وعلماء أصول الفقه أن الأطعمة والأشربة داخلة في باب العادات، لا في باب العبادات، والأصل في العادات الإباحة حتى يرد دليل ناقل عنها، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فدل ذلك على أن ما لم يرد فيه نص بالتحريم، فهو باق على أصل الإباحة.
وعلى هذا، فمجرد ترك النبي ﷺ لشيء من الأطعمة لا يقتضي تحريمه، ولا حتى كراهته على الإطلاق، فضلا عن أن يكون دليلا على انعدام نفعه أو ضرره من جهة الطب وعلم التغذية. فإن الترك النبوي له دلالات متعددة، ولا يحمل على معنى واحد إلا بقرينة.
وقد قرر علماء أصول الفقه أن الترك النبوي في باب العادات ليس بحجة في ذاته، إلا إذا اقترن بما يدل على القصد إلى التشريع، كأن يكون الترك بيانا لحكم، أو مصحوبا بنهي، أو كان في مقام يفهم منه الوجوب أو التحريم.
أما إذا كان الترك مجرد عادة، أو لعدم الاعتياد، أو لعدم الميل، أو لعدم توفر الشيء، فلا يستفاد منه حكم شرعي عام. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لم يأكل الضب، فلما سئل عنه قال: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، ومع ذلك أقر أكله ولم يحرمه، فكان تركه هنا دليلا على العادة البشرية لا على التشريع، فمن طبيعة البشر أن منهم من لا يستسيغ بعض الأطعمة وإن كانت حلالا ونافعة.
ومن هنا يظهر الخلل في استدلال بعض الناس، حين ينقلون الأفعال النبوية من سياقها، ويحملونها ما لا تحتمل، فيجعلون من الترك في باب العادات معيارا للحل والحرمة، أو ميزانا للمنفعة والضرر، وكأن الشريعة جاءت لتفصيل كل جزئية من جزئيات الطب والتغذية، وهذا مجانب لخصائصها ومقاصدها. فالشريعة إنما جاءت بضبط الكليات، وحفظ الضروريات، وتركت ما عدا ذلك لخبرة الناس وتجاربهم، في إطار الضوابط العامة كتحريم الخبائث، وإباحة الطيبات.
وعليه، فإن الواجب في مثل هذه المسائل هو التمييز بين الحكم الشرعي الذي يستمد من أدلته المعتبرة، والحكم الطبي إن صح التعبير الذي مرده إلى أهل الاختصاص والتجربة. فلا يحتج بالسنة على قضايا التغذية من حيث الجودة والمنفعة إلا إذا ورد نص صريح في ذلك، كما في بعض الأطعمة التي ثبتت فيها نصوص خاصة. من ذلك ما ورد في الجلاّلة، وهو الحيوان أو الطير الذي يتغذى على الجلة وهي العذرة والقذر، سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو غيرها من الحيوانات المأكولة. ففي حديث صحيح “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها”. والنهي عن أكلها ليس لذاتها، بل لعارض، وهو أكلها النجاسات، ويزول المنع إن حبست مدة معينة وأكلت مادة طاهرة حتى تستطيب من جديد.
أما ما عدا ذلك، فإقحام النصوص في غير مجالها يفضي إلى إضعاف الحجة الشرعية، وإلى فتح باب التقول على الشريعة بغير علم، وهو من أعظم ما يتقى في باب الدين.
فالمقام يقتضي تحرير محل النزاع، وضبط دلالة الأدلة، ورد كل علم إلى أهله، حتى لا تختلط المعايير، ولا يجعل من الدين ما ليس منه، ولا ينسب إلى الشريعة ما لم تدل عليه نصوصها ولا مقاصدها.



