“قرار” في الجزائر يُجدد رفض الفَرْنَسَةِ في المغرب

26 يوليو 2026 22:45
تلاميذ داخل مدرسة بالجزائر

هوية بريس – متابعات

أعاد قرار الجزائر منح الإنجليزية أسبقية على الفرنسية في المرحلة الابتدائية فتح النقاش المغاربي حول السيادة اللغوية، بالتزامن مع تصاعد الأصوات الرافضة لفرنسة التعليم في المغرب والمطالبة بحماية اللغتين الرسميتين والانفتاح على الإنجليزية بوصفها لغة للعلم والتكنولوجيا.



دخلت السياسة اللغوية في الجزائر مرحلة جديدة، بعد الإعلان عن تدريس الإنجليزية باعتبارها اللغة الأجنبية الوحيدة لتلاميذ السنة الثالثة ابتدائي خلال الموسم الدراسي 2026-2027، وتأجيل بدء تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة.

ولا يقتصر القرار على تغيير ترتيب مادتين داخل البرنامج الدراسي، بل يعكس توجها لإعادة تحديد موقع الفرنسية في المنظومة التعليمية، بعد عقود ظلت خلالها اللغة الأجنبية المهيمنة بفعل امتدادها التاريخي في التعليم والإدارة.

الإنجليزية تسبق الفرنسية في المدرسة الجزائرية

جاء القرار ضمن إجراءات أعلنها وزير التربية الوطنية الجزائري محمد صغير سعداوي خلال الندوة الوطنية المخصصة للتحضير للدخول المدرسي 2026-2027.

وتشمل الإجراءات مراجعة بعض البرامج التعليمية وزيادة الحيز الزمني المخصص للأعمال التطبيقية، على أن تحدد الوزارة تفاصيل التنفيذ وتوزيع الحصص في منشور تنظيمي.

وبموجب الترتيبات الجديدة، يبدأ تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي تعلم الإنجليزية وحدها، قبل أن تضاف الفرنسية في السنة الرابعة، لتدرّس اللغتان معا خلال المراحل اللاحقة.

ويمثل هذا التعديل امتدادا لإصلاح بدأ عام 2022، عندما أدرجت الجزائر الإنجليزية في التعليم الابتدائي، بعد عقود كانت فيها الفرنسية اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرّس في هذه المرحلة.

تعزيز الإنجليزية في الجامعة والبحث العلمي

رافق توسيع تدريس الإنجليزية توظيف نحو 25 ألف أستاذ لتغطية الاحتياجات التي فرضها إدراج المادة الجديدة، مع الاعتماد على التوظيف الدائم والتعاقد والاستعانة ببعض الأساتذة المتقاعدين عند الحاجة.

وامتد هذا التوجه إلى التعليم الجامعي، حيث شرعت مؤسسات جزائرية في توسيع استعمال الإنجليزية في التخصصات العلمية والطبية والتكنولوجية، إلى جانب إطلاق برامج لتطوير الكفايات اللغوية للأساتذة.

ويعكس إقبال الطلبة على التخصصات المرتبطة بالإنجليزية تحولا في اختيارات الأجيال الجديدة، التي أصبحت أكثر ارتباطا بالمحتوى الرقمي والإنتاج العلمي والتكنولوجيا الحديثة.

وتستمد الإنجليزية جاذبيتها من كونها اللغة الأكثر حضورا في الأبحاث العلمية وقواعد البيانات والمنصات الرقمية، فضلا عن ارتباطها بمجالات البرمجة والابتكار والاقتصاد العالمي.

قرار الجزائر يعيد النقاش اللغوي إلى المغرب

يحمل التوجه الجزائري دلالات تتجاوز الحدود الوطنية، إذ يعيد إلى الواجهة النقاش المتواصل في المغرب حول استمرار هيمنة الفرنسية على تدريس المواد العلمية والتقنية.

ففي الوقت الذي تتحرك فيه الجزائر نحو تقديم الإنجليزية، ما تزال المدرسة المغربية تعتمد الفرنسية على نطاق واسع في تدريس العلوم، رغم أنها ليست لغة رسمية للمملكة، ورغم اتساع المطالب الداعية إلى مراجعة هذا الاختيار.

وينطلق الرافضون للفرنسة من ضرورة التمييز بين تعلم الفرنسية كلغة أجنبية وبين فرضها لغة لتدريس الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والأرض.

فتعلم اللغات الأجنبية يوسع آفاق المتعلم، بينما يؤدي تحويل لغة أجنبية واحدة إلى وسيط إلزامي لاكتساب المعرفة إلى وضع حاجز إضافي أمام الفهم والتحصيل.

رفض الفرنسة ليس رفضا لتعلم اللغات

لا يستهدف الخط المناهض للفرنسة إقصاء اللغة الفرنسية أو منع المغاربة من تعلمها، وإنما يرفض منحها امتيازا يتجاوز وضعها الطبيعي باعتبارها لغة أجنبية.

ويتمثل جوهر الاعتراض في فرض الفرنسية لغة أساسية لتدريس العلوم، بما يجعل نجاح التلميذ في المواد العلمية مرتبطا بدرجة إتقانه لغة لا تستعملها أسر كثيرة في حياتها اليومية.

ويؤكد هذا التصور أن المدرسة الوطنية مطالبة بتمكين المتعلم من العربية والأمازيغية، باعتبارهما اللغتين الرسميتين للمملكة، مع تعليمه اللغات الأجنبية وفق حاجاته العلمية والمهنية.

وبهذا المعنى، لا تقوم مناهضة الفرنسة على الانغلاق، بل على الانفتاح المتوازن الذي يحفظ الهوية الوطنية ويمنح المتعلم أدوات التواصل مع المعرفة العالمية.

الفرنسة تضاعف صعوبات التعلم

يواجه التلميذ عند دراسة العلوم بالفرنسية صعوبتين متزامنتين؛ الأولى ترتبط بفهم المفهوم العلمي، والثانية بفك المصطلحات والتراكيب المستعملة في شرحه.

وقد يتحول درس الرياضيات أو الفيزياء، نتيجة ذلك، إلى اختبار في اللغة الفرنسية بدل أن يكون مجالا لاكتساب التفكير العلمي وحل المشكلات.

وتزداد حدة هذا الإشكال داخل المدرسة العمومية، حيث لا تتوفر لجميع الأسر القدرة على تمويل دروس الدعم أو تسجيل أبنائها في مؤسسات تمنح تكوينا لغويا إضافيا.

وبذلك تصبح لغة التدريس عاملا مؤثرا في تكافؤ الفرص، إذ يستفيد منها التلميذ القادم من بيئة تستعمل الفرنسية، بينما يواجه غيره صعوبات لا ترتبط بذكائه أو استعداده العلمي.

اللغات الوطنية أساس السيادة التعليمية

تفرض السيادة اللغوية أن تحتل العربية والأمازيغية موقعهما الطبيعي داخل المدرسة والإدارة والجامعة، وألا تبقيا محصورتين في مواد محددة بينما تدار المعرفة العلمية بلغة أجنبية.

ولا يعني تعزيز اللغات الوطنية الانفصال عن التطورات العلمية، إذ يمكن تطوير الترجمة والمصطلحات والمناهج، مع تمكين المتعلمين من اللغات الأجنبية الضرورية للاطلاع على المراجع والتواصل الدولي.

وتؤكد التجارب التعليمية الناجحة أن الدول تبني منظوماتها العلمية بلغاتها الوطنية، ثم تعلم أبناءها لغات أجنبية تساعدهم على الوصول إلى المعرفة، دون أن تستبدل لغة المجتمع بلغة خارجية داخل الفصل الدراسي.

ويحتاج المغرب، وفق هذا التصور، إلى سياسة تجمع بين التدريس باللغة التي يفهمها المتعلم، والتكوين الجيد في الإنجليزية، وتشجيع الترجمة العلمية إلى العربية والأمازيغية.

الإنجليزية أداة للعلم وليست بديلا عن الهوية

لا ينبغي أن يؤدي رفض هيمنة الفرنسية إلى إحلال هيمنة أجنبية جديدة محلها. فالإنجليزية تظل لغة أجنبية، مهما كانت أهميتها العلمية والاقتصادية.

لكن الفرق يكمن في الوظيفة؛ إذ يمكن اعتماد الإنجليزية أداة للوصول إلى الإنتاج العلمي والتكنولوجي العالمي، مع إبقاء اللغات الوطنية في صدارة التعليم والتواصل المؤسسي.

ويمنح تعلم الإنجليزية المتعلمين قدرة مباشرة على متابعة الأبحاث والمنصات التعليمية والدورات الرقمية، دون المرور الإجباري عبر وسيط فرنسي يضيق مجال الوصول إلى المعرفة.

كما ينسجم تعزيز الإنجليزية مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل، خاصة في مجالات التكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي والهندسة والتجارة الدولية.

بين وضوح الجزائر وتردد السياسة المغربية

تكمن أهمية القرار الجزائري في وضوح اتجاهه، حتى لو ظل نجاحه مرتبطا بجودة التكوين وإعداد المناهج وتوفير الأساتذة والوسائل التعليمية.

أما في المغرب، فما يزال النقاش يتأرجح بين الحديث عن التعددية اللغوية وبين واقع يمنح الفرنسية موقعا شبه حصري في تدريس مواد علمية أساسية.

ولا يمكن تحقيق التعددية بإقصاء العربية من تدريس العلوم أو بتقليص حضور الأمازيغية أو بتأخير الانتقال الفعلي نحو الإنجليزية، ثم تقديم الفرنسية باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.

فالتعددية الحقيقية تقتضي إعطاء الأولوية للغتين الرسميتين، وتوفير خيارات أجنبية متوازنة، وعدم ربط التفوق الدراسي والاجتماعي بإتقان لغة واحدة موروثة عن مرحلة الاستعمار.

فرصة لمراجعة الاختيارات اللغوية في المغرب

يقدم التحول الجزائري مناسبة لإعادة تقييم السياسة اللغوية المغربية، ليس بهدف استنساخ تجربة أخرى، وإنما لبناء نموذج وطني يستجيب لحاجات المتعلم ويحفظ السيادة الثقافية.

ويتطلب ذلك مراجعة موقع الفرنسية بوصفها لغة لتدريس العلوم، وتعزيز التعليم بالعربية، وتسريع تعميم الأمازيغية، والانتقال المنظم نحو الإنجليزية كلغة أجنبية ذات قيمة علمية ووظيفية.

كما يقتضي الإصلاح إعداد الأساتذة وتطوير المناهج وإنتاج موارد رقمية ومصطلحية، حتى لا يتحول الانتقال اللغوي إلى قرار إداري منفصل عن الإمكانات الضرورية لتنفيذه.

ولا يرتبط إنهاء الفرنسة بصراع بين اللغات، بل بإعادة كل لغة إلى موقعها الطبيعي؛ اللغات الوطنية للتعليم والسيادة، واللغات الأجنبية للتواصل والانفتاح والوصول إلى المعرفة.

ويؤكد القرار الجزائري أن هيمنة الفرنسية في المنطقة المغاربية ليست واقعا ثابتا، وأن بناء سياسة لغوية مستقلة أصبح ممكنا متى توفرت الإرادة والرؤية والتخطيط.

أما المغرب، فيظل مطالبا بتحويل الرفض الواسع للفرنسة إلى إصلاح مؤسسي يضمن حق التلميذ في التعلم بلغة يفهمها، ويؤهله في الوقت نفسه لإتقان الإنجليزية والتفاعل مع علوم العصر.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء
26°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة