الأزمي: الاقتصاد المغربي يحتاج إلى إصلاحات هيكلية والحكومة كرست تضارب المصالح

هوية بريس-متابعات
قال الوزير السابق والقيادي بحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي، إن المغرب يقف أمام رهانات اقتصادية كبرى تفرض تبني إصلاحات هيكلية عميقة تتجاوز الحلول الظرفية، معتبرا أن نجاح أي نموذج اقتصادي يظل رهينا بترسيخ الاختيار الديمقراطي، وتعزيز الحكامة الجيدة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين والمواطنين.
وأوضح الأزمي، خلال مشاركته في لقاء نظمه موقع “اقتصادكم” حول الرهانات الاقتصادية للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، أن النقاش العمومي بالمغرب يظل، في أغلب الأحيان، أسير العموميات والشعارات، في حين أن المرحلة الحالية تستدعي نقاشا دقيقا حول البدائل الاقتصادية القادرة على مواجهة التحديات التي يعرفها الاقتصاد الوطني، مشددا على أن الرهان الاقتصادي يعد من أهم رهانات الانتخابات المقبلة إلى جانب الرهان الديمقراطي.
وأكد أن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يتم في غياب ديمقراطية حقيقية تتيح للمواطنين التعبير بحرية عن اختياراتهم ومحاسبة المسؤولين على أدائهم، معتبرا أن التجارب الدولية أثبتت وجود علاقة وثيقة بين ترسيخ الديمقراطية ومحاربة الفقر وتحقيق التنمية، وهو ما يجعل، بحسب تعبيره، الديمقراطية شرطا أساسيا لإنجاح أي مشروع اقتصادي.
وسجل الأزمي أن المغرب ما يزال يؤجل معالجة عدد من الاختلالات البنيوية التي تعيق الاقتصاد الوطني، رغم تشخيصها في أكثر من مناسبة، مذكرا بما تضمنه خطاب العرش لسنة 2022 من دعوة صريحة إلى إزالة العراقيل التي تكبح الاستثمار ومحاربة كل الممارسات التي تخدم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، معتبرا أن الحكومة الحالية لم تفتح هذا الورش بالشكل المطلوب.
وفي عرضه لرؤية حزب العدالة والتنمية، أوضح الأزمي أن السياسة الاقتصادية التي يدافع عنها الحزب تقوم على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في تسهيل عمل المقاولة المغربية عبر إزالة العراقيل الإدارية والتنظيمية والتمويلية والعقارية، وتحسين ظروف المنافسة، بينما تقوم الركيزة الثانية على إعادة التوازن الاجتماعي، لأن الاقتصاد، بحسب قوله، لا يمكن أن يستمر في إنتاج الثروة إذا كان يقابله اتساع الفوارق الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة.
وانتقد المسؤول الحكومي السابق ما وصفه بتركيز الدعم العمومي والامتيازات الاقتصادية في يد عدد محدود من المقاولات الكبرى، معتبرا أن هذه المقاولات تستفيد من التسهيلات والتمويل والصفقات العمومية، بينما تجد المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا نفسها أمام صعوبات كبيرة في الولوج إلى التمويل والعقار والاستثمار العمومي، رغم أنها تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني.
وأشار إلى أن الاقتصاد المغربي بحاجة إلى تحرير طاقات هذه الفئة من المقاولات باعتبارها الأكثر قدرة على خلق فرص الشغل ورفع الإنتاجية، منتقدا توجه الحكومة إلى إعطاء الأولوية للمشاريع الكبرى على حساب المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ومؤكدا أن الاستثمار العمومي ينبغي أن يتحول إلى رافعة لتنمية النسيج المقاولاتي بدل أن يظل موجها إلى عدد محدود من الشركات.
كما اعتبر الأزمي أن أحد أبرز أسباب ضعف خلق مناصب الشغل يعود إلى استمرار تركيز المشاريع والصفقات الكبرى في يد فاعلين محدودين، مشيرا إلى أن توسيع قاعدة المستفيدين من الاستثمار العمومي من شأنه أن يخلق دينامية اقتصادية أكبر، ويتيح لآلاف المقاولات الانخراط في الدورة الاقتصادية، بما ينعكس إيجابا على التشغيل والنمو.
وفي ما يتعلق بالسياسة الجبائية، أكد أن الإصلاح الضريبي ينبغي أن يكون أداة لتحفيز الاقتصاد وليس مجرد وسيلة لزيادة المداخيل الجبائية، معتبرا أن الارتفاع المتواصل في حصيلة الضرائب لا ينسجم مع وتيرة النمو الاقتصادي، محذرا من استمرار الضغط الضريبي على المقاولات والمواطنين، وداعيا إلى مراجعة النفقات الجبائية والإعفاءات الضريبية وفق دراسات دقيقة للأثر الاقتصادي والاجتماعي، وربطها بأهداف واضحة تخدم الاستثمار والإنتاج.
وشدد الأزمي على ضرورة إنهاء ما وصفه بمنطق “التحفيزات على المقاس”، مؤكدا أن أي إعفاء أو امتياز جبائي يجب أن يكون خاضعا لمعايير الشفافية، وأن يقترن بالتزامات واضحة من طرف المستفيدين، سواء تعلق الأمر بالاستثمار أو خلق مناصب الشغل أو الرفع من الإنتاجية.
وفي محور التمويل، دعا إلى تطوير سوق الرساميل وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة والشركات الناشئة على الولوج إلى البورصة، معتبرا أن السوق المالية المغربية لا تعكس الإمكانيات الحقيقية للاقتصاد الوطني، وأن الإقبال الكبير الذي تعرفه عمليات الاكتتاب يؤكد وجود ادخار وطني مهم يبحث عن فرص استثمارية، إلا أن ضعف عدد الشركات المدرجة يحد من الاستفادة من هذه الإمكانيات.
وأكد أن الاقتصاد الوطني يحتاج أيضا إلى إصلاحات إضافية في المنظومة البنكية بما يتيح توسيع الولوج إلى التمويل، خاصة بالنسبة للشباب والمقاولات الناشئة، مع المحافظة في الوقت نفسه على استقرار القطاع المالي، مشيرا إلى أن تشجيع المبادرة الخاصة يظل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي.
وفي معرض تقييمه لتجربة العدالة والتنمية في تدبير الشأن العام، استعرض الأزمي عددا من الإصلاحات التي قال إن الحزب أشرف عليها خلال قيادته للحكومة، من بينها إصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتحسين مناخ الأعمال، وتقليص آجال أداء مستحقات المقاولات، وتسريع استرجاع الضريبة على القيمة المضافة، معتبرا أن هذه الإجراءات ساهمت في تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز سيولة المقاولات، رغم صعوبتها السياسية والاجتماعية.
وفي المقابل، وجه انتقادات مباشرة للحكومة الحالية، معتبرا أنها كرست، خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة تضارب المصالح، ولم تنجح في معالجة الاختلالات التي يعرفها مناخ الأعمال، كما أنها لم تستثمر الإصلاحات السابقة بالشكل الكفيل بتحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي، محذرا من تنامي مظاهر الاحتكار وتمركز الرأسمال في عدد من القطاعات.
وختم الأزمي بالتأكيد على أن البديل الاقتصادي الذي يقترحه حزب العدالة والتنمية يقوم على اقتصاد تنافسي يحرر المبادرة الخاصة، ويضمن المنافسة الشريفة، ويحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية العدالة الاجتماعية، وذلك في إطار حكامة جيدة تقوم على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد الإصلاحات الاقتصادية الكبرى بما يضمن استدامتها ونجاعتها.



