برنامج التوأم.. الخطاب الهادئ ينتصر على التفاهة وضجيج الحاقدين

برنامج التوأم.. الخطاب الهادئ ينتصر على التفاهة وضجيج الحاقدين
هوية بريس – متابعات
في موسم إعلامي مزدحم بالمحتوى السريع والبرامج عالية الكلفة، استطاع برنامج (التوأم) الذي يجمع بين شيخ وممثل مصري شهير أن يفرض نفسه بقوة على الساحة الرقمية، محققا نسب مشاهدة قياسية فاقت في بعض حلقاته برامج قنوات تلفزية تُنفق عليها ميزانية ضخمة لإنتاجها. هذا النجاح اللافت لم يكن نتيجة حملة ترويجية ولا صناعة إعلامية، بل كان ثمرة خطاب هادئ وصادق، وصل إلى الناس بلا وسيط.
البرنامج في فكرته، قائم على حوار بين توأم مصري، أحدها داعية إلى الله والآخر فنان، وقد ظهر الشيخ أيمن، كما أجمع كثير من المتابعين، موفقا في طرحه، هادئا في لغته، متزنا في مواقفه، يقدم الدين بسليقة وسلاسة دون تعقيد أو استعلاء، وهو ما جعل مقاطعه تنتشر على نطاق واسع عبر المنصات الاجتماعية.
هذا الأثر لم يمرّ دون ردود فعل متباينة؛ فكما حصد البرنامج إشادات واسعة، وُوجه أيضا بهجوم من بعض الأصوات التي وُصفت بالحاقدة والمغرضة، في مشهد يكشف حساسية بعض التيارات تجاه أي نموذج ديني يحظى بالقبول الشعبي خارج أطرهم التقليدية. غير أن اللافت أن موجة الانتقاد لم تؤثر في نسبب المتابعة، بل زادت من فضول الجمهور وأعادت تسليط الضوء على المحتوى نفسه.
وفي هذا السياق، تفاعل د. عبد الله رشدي مع مقاطع من البرنامج، مشيدا بتجربة الشيخ أيمن، ومعتبرا إياها مفاجأة الموسم، كما كانت برامج سابقة مفاجأة في مواسم مضت. وأكد في تعليقه أن الناس في حاجة إلى نماذج تقدم الدين بصورة جميلة، بعيدة عن التقعير والتعاظم، قادرة على مخاطبة القلوب بلغة قريبة من الفطرة. كما أشار إلى أن استهداف الشخصيات المؤثرة عادة قديمة، حيث يتطاول بعض الأغمار على من يرون فيهم حضورا وتأثيرا.
نجاح برنامج “التوأم” يطرح سؤالا أعمق حول طبيعة التحول في المزاج الجماهيري؛ فالمتلقي اليوم لم يعد يبحث فقط عن الصخب أو الإثارة، بل عن المعنى والصدق والاتزان. وعندما يجد خطابا دينيا يجمع بين الرسوخ والرحابة، بعيدا عن خطاب التبرير لمساوئ الوقت والتشدد والاستعراض، فإنه يمنحه ثقته ومشاهدته ودعمه.
كما يكشف البرنامج عن قوة المنصات الرقمية في إعادة تشكيل الخريطة الإعلامية؛ إذ بات بإمكان محتوى بسيط وصادق ومنخفض التكلفة، أن يتفوق على إنتاجات ضخمة إذا لامس وجدان الناس. وهي رسالة واضحة للمؤسسات الإعلامية بأن التأثير لا يُشترى بالميزانيات فقط، بل يُبنى بالمصداقية.
في المحصلة، لم يكن “التوأم” مجرد برنامج عابر، بل تجربة إعلامية كشفت أن الخطاب الديني ما يزال قادرا على اختراق الضجيج، وأن تقديم الدين بصورة متوازنة وجذابة يمكن أن يحظى بقبول واسع، مهما ارتفعت أصوات التفاهة والمشككين. وفي زمن الاستقطاب، تبدو مثل هذه النماذج حاجة مجتمعية قبل أن تكون نجاحا إعلاميا.



