هل يصنع المجهرُ وأنبوب الاختبار تشريعاً؟

28 مارس 2026 20:44

هوية بريس – د.محمد لكزولي

أصبح جلياً لكل متتبع للساحة الفكرية تتابع المحاولات الحثيثة لقلب موازين المرجعيات المعرفية، عبر ترويج خطابات تحاول اختزال الحقائق الكونية والدينية والاجتماعية في «أنبوب الاختبار»؛ حيث يزعم رواد هذا التوجه أن الجهل بقوانين البيولوجيا والفيزياء يُسقط أهلية الحديث في المسائل الدينية والتشريعية، ساعين بذلك إلى تنصيب “العلماء التقنيين” أوصياء جدد على النص الديني بدعوى حداثة العلوم الكونية وتقادم التراث. غير أن رواد هذا الفكر يجهلون اقتصار وظيفة العلم التجريبي على رصد «كيفية» عمل المادة وظواهرها، في حين تنفرد العلوم الإنسانية والشرعية بشقيها النصي والفكري(الفلسفي)، ببحث “الغائية” وصياغة “المعايير الأخلاقية” التي تحكم الجانب القيمي والمعنوي للوجود، وتفسر ماهية العلاقات الإنسانية والعلة من الاستخلاف في هذا الكون.

تكمن خطورة هذا التوجه في “الاستلاب العلمي” الذي يلغي التباين بين الحقول المعرفية المختلفة (أسلوبا، ومنهجا، وأدوات، …) فالتفوق في فك شفرات المورثات لا يمنح الباحث تفويضاً أخلاقياً أو قانونياً للبت في أبسط أساسيات قضايا علم الاجتماع الإنساني. فالعلم المخبري يقدم لنا “الأداة”، لكنه يعجز عن تقديم “المعنى”، كتفسير معنى “العدالة” في توزيع الحقوق والواجبات؛ وإلا تحول القاضي إلى تقني يطبق نص القانون دون روحه، وحصر تفسير الفقيه للموت بفَنَاءِ الجسد وتحوله إلى “جيفة!”.(مصطلح مقتبس من فيديو ل د. فايد حول إزالة عبارات التوحيد من سيارات نقل موتى المسلمين).

إن التوازن الدقيق الذي يربط بين الوحيين كمرجعين قِيمِيَيْنِ من جهة، والعلوم كآلية لتعمير الأرض، لا يمكن حصره في فهم “المادة” وحدها، بل كضابطين يؤطران الروح والجسد عند الإنسان. إن الكهنوت العلمي الجديد الذي يريد أن يَفْتَكَّ حق التخصص اللغوي والاصولي واللساني في فهم مقاصد النص من مختصيه لتعميمه على تخصصات أخرى -درست بغير لغته ومنهجه-، سيؤدي حتما إلى تحويل الدين من منهج حياة متكامل إلى مجرد ملحق تقني تابع لما تجود به نتائج المختبرات المتقلبة.

إن قيم التخصص هي الضامن (والضمان) الوحيد لتقدم العلوم وعدم شرودها، ولاستقرار أي بناء فكري ومجتمعي؛ مما يطرح سؤال مصائر وكلفة تغيير المنظومة التشريعية، والقيمية والمجتمعية، حين تُجبَر على الخضوع لمخرجات تجريبية مبنية على نظريات قابلة للنقد لم توضع أصلاً للإجابة عن أسئلة الوجود والحق والواجب؟

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة